المقالات

صيام في الجنة

صيام في الجنة

الجديد برس : رأي

يسرية الشرفي

وكأن السماء تبكيهم ملبدة بالغيوم. صنعاء منذ ذلك اليوم وللمرة اللامتناهية يعاود من لا يحملون الضمير الإنساني قصف المدنيين في صنعاء. وكعادتهم في انتهاك كل حرمة وانتزاع أرواح الأبرياء من مرقدها هاهم يعاودون القصف مجدداً ودون أي مبرر. فقط مجرد أعذار وحجج واهية.
في صباح يوم السادس عشر من مايو 2019 عاود الجبناء قصف الآمنين في منازلهم، وفي وضح النهار، وفي الشهر الحرام، وفي منطقة مأهولة بالسكان، منطقة مدنية بكل الاتجاهات. أين هي صواريخ الحوثي أو الأسلحة الثقيلة أو حتى الخفيفة؟! أين وجدوا ما يهددهم أو يقلق راحتهم؟! هل كانت تلك الصواريخ في بطانية تلك الطفلة البريئة؟! لا أظن تلك البطانية كافية لاحتواء صواريخ بالستية ولا حتى قاذفات صواريخ! ربما راودتهم الشكوك بأن ما يبحثون عنه قد يجدونه في طيات أحلام أولئك الأطفال بكسوة العيد التي لم يستطيعوا بعد أن يشتروها.
لا يزال أبوها يحتضنها ليحميها من موتهم القادم فجراً من السماء. لم يكن حضنك كافياً يا أبي! فقد سلطوا قوتهم هذه المرة دون رحمة لتنزع أرواحنا جميعاً! لكن عزائي أني رحلت من وحشة الدنيا إلى نور الآخرة.
وسيحكم رب العباد بالأعذار التي ستقدمونها لمحكمة السماء التي لا تخطئ ولا تغفل عن جرم فعلتموه بحق من لا جرم لهم سوى أنهم من بلد يقطنه الفقر والجوع وزدتم عليه فوق ما يعانيه، فقتلتم كل ما لا يستحق الموت، ويْحكم وويلكم من رب كريم أمهلكم حتى هذه اللحظة لعلكم تعقلون! لكن أنّى لكم ذلك وقد أعمى الحقد بصيرتكم قبل بصركم؟! …
وهل من الممكن أن يكون غير ظلام القلوب قد أعماكم عن حقيقة أن من يسكنون هذه المنازل أبرياء من الحرب براءة الذئب من دم يوسف؟!
ما ذنب تلك الطفلة الصغيرة التي فقدت أطرافها التي كانت تحلم بنقشها في ليلة عيد كُتب للعالم أجمع بأن يفرح بقدومه، ويحتفل به كل بلد وفق طريقته الخاصة، وكتب لنا أن نعيشه بطريقة اختارها جلاد لا يرحم طفلا ولا يعرف حرمة للبيوت، واليوم نعيش فاجعة تلو الأخرى دون ذنب أو خطيئة؟!
وما ذنب ذلك الشاب العائد من مباراة كرة القدم ليجد الفراغ المفزع بديلا عن بيتة المليء بأصوات ساكنيه؟! لم يعد يسمع صدى ضحكات وكلمات من كانوا يرقدون هنا بسلام! كان يأمل أن يعاود اللعب في اليوم التالي مع أخيه الذي تكاسل في ذلك الصباح عن الذهاب إلى النادي وظل نائماً ولم يكن يعلم أنها ستكون المرة الأخيرة التي ينام فيها دون أن يستفيق مرة أخرى! ليته ذهب معه، فلو كان فعل ذلك لبقي من يسانده في مصيبته، أو ربما يحدث نفسه الآن قائلاً: ليتني بقيت لأنام معهم إلى يوم أجد ربي لأشكو له ظلماً زاد بشعب يحبه الله ورسوله! ويل لهم من لعنات ستصيبهم في أيام مباركة من أمة بكى شوقا للقائها نبينا الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم!
بين الركام كانت هناك طفلة وحيدة تتنفس ببطء شديد. أخرجها المنقذون بعد أن فقدوا الأمل بأن يجدوا من لا يزل فيه الروح منهم. وجدوها بين أكوام الخراب الحالك، لينقذوها من موت محتوم. لكن من ينقذها اليوم مما حل بها، ووحدة كتبت عليها مدى الحياة على يد جلاد لا يعرف سوى القتل وإراقة الدماء؟!
أتخيل الموت القادم من السماء ليختطف أرواحهم الطاهرة، فتكمل صيامها هناك مع ملائكة الرحمة في جنة عرضها السموات والأرض وسعادة لا تزول وعدل ليس له مثيل. ذلك الموت القادم بالأمس كان هناك، واليوم ربما لا يزال محلقاً في الأجواء بالقرب منك ليخطف أرواحا أخرى! وربما في يوم ما قد نكون نحن بين تلك الأرواح التي يتخطفها الموت في طول وعرض البلد.