يود المرء أن يتوقف في حديثه عن الفساد والمفسدين والملفات والكشوفات، التي ينبعث “نتنها” بين الحين والآخر، ليُزكِم الأنوف، ويتخصص فقط في رصد وتحليل ردود الفعل التي تبرر وتُزيّن لهذا الفساد، فيجد فيها عجب عُجاب، أشد خطورة وأكثر إثارة للاشمئزاز، من الفساد بشحمه ولحمه!
بعد عمر طويل من الزمان، وإذا ما بقينا لذلك الحين وسألنا عن: أصعب صعوبات المرحلة التي عشناها؟! فبالإمكان اختصارها أنها: “ظلمات بعضها فوق بعض”..
مبعث هذه الظلمات: عقلية نظام قديم شبّ وترعرع على المحسوبية والفساد، اجتمعت بعقلية من كانوا ثوارًا ومعارضين، ثم رمت الأقدار بعضهم إلى السلطة بلا كفاءة ولا نزاهة؛ فاتخذوها فيدًا وغنيمة يعوضون بها سنوات الحرمان المريرة!
فاذا بهذا المزيج يكوّن، ويتصدر المشهد العام والمناصب الحكومية، ويجعل طريق الخلاص “مسدودا، يا ولدي مسدود..”- لا بعذوبة صوت العندليب الأسمر، الراحل عبد الحليم حافظ، وإنما بنشاز الواقع- ما لم تُفَعّل آليات محاسبة ورقابة، ويهيئ وعي العامة حتى لا يستسلم المجتمع أمام العبث واللصوصية، ويتطبع وينساق مع حملة المباخر والمماسح لكل فضحية.
الفتات الذي يصنع الفساد الكبير
مؤخرا، عاد الجدل مجددًا حول ما يُعرف بكشف “الإعاشة’، الذي أُقر عام 2015، وابتدأ بعدد محدود من القيادات في المنافي، ثم تضخم ليشمل المئات من الشخصيات والأفراد بلا مهام واضحة، وفقًا للأكاديمي الدكتور ناصر الطويل. وقد أثار هذا الكشف موجة استياء شعبي واسع، وانقسم الناس حوله إلى فئتين: قليلة مستفيدة حد التخمة، وكثيرة مأخوذ من حقها ومغلوب على أمرها. ومن هنا انقسمت المواقف بين مدافعين ومهاجمين.
والمثير للحيرة؛ أنّ ليس كل مدافع عن كشف “الإعاشة” مستفيد منها بشكل مباشر- فيما يبدو؛ لكن تجد من يُهوّن من أمرها ويطفئ من غضب الناس المحمود حيال ما يستدعي الاستنكار والاحتجاج.
أتناول هنا أبرز من برر وهوّن من هذا الأمر؛ صحفيا اعتبر هذه المبالغ، التي تتراوح أقلها بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، بأنها مجرد “فُتات”، وبحجة أن وقفها لن يطال أصحاب الأرقام الفلكية. وكأن منطق العدالة يقتضي غض الطرف عن الصغار ما دمنا عاجزين عن الكبار! وهو منطق يتعارض مع أبسط مبادئ الإصلاح؛ إذ لو استسلم الناس لمثل هذا التفكير لما تغير واقع ولا نهضت أمة.
وهنا تُحيلَنا كلمة “فُتات” ذاتها إلى مقارنة مؤلمة: بين فتات الإعاشة، الذي يُقدَّر بآلاف الدولارات لفرد واحد “كَلٌ” على الدولة، في مقابل “فُتات” آخر، لا يتجاوز مئة ألف ريال يمني، يُمنح أحيانًا ويُقطع أخرى، للمعلم أو الجندي، وهما الشريحتان اللتان بُحت أصواتنا ونحن نطالب بحقوقهما المسلوبة. وهؤلاء هم من تقوم البلاد– ولا مبالغة– على أكتافهم، بينما نصطدم بكمية الإهدار والعبث الذي يُصبًّ “هينا، لينا” على أفواه وبطون من نجدهم دائما في المغنم ونفتقدهم عند المغرم…!!
النموذج الآخر لمحامٍ مضى في دفاعه عن هذه “الإعاشة”، حتى أنه اعتبر إثارة الموضوع ليس سوى “مؤامرة” تخدم العدو الحوثي!. ومتجاهلًا لجوهر القضية، كتب دفاعًا مطولًا يبرر فيه صرف هذه المخصصات، حيث وأن المستفيدين منها هم وزراء ونواب ووكلاء وسفراء ومشايخ، “مناضلون”، وأن قطعها سيدفعهم للعودة، أذلاء، إلى حضن الحوثي، ويجعل الشرعية معزولة عن أنصارها…!!
غير أن هذا الدفاع يقفز على أسئلة جوهرية، مثلا: لماذا لا يُدمج هؤلاء في كشوفات الدولة الرسمية؟ ما المهام الاستثنائية التي يقوم بها المئات منهم، بينما عُلقت وظائف موظفين حقيقيين، أو حُرموا من رواتبهم بحجة ضعف الموازنة؟ ثم؛ بدلا من الذهاب إلى حضن الحوثي، لماذا لا يعودون إلى حضن البلاد لممارسة أعمالهم “النضالية” المزعومة؟!
عند هذا المحامي الألمعي، يظهر بوضوح ما يطلق عليه علم النفس بـ”الإسقاط”، أي أن ما يدركه المرء في داخله ينعكس على رؤيته للآخرين والعالم من حوله. فهو لا يرى مشروعًا للدولة، ولا دماءً تُبذل في سبيل ترسيخها، بل لا يجد رابطًا مع الدولة إلا عبر “كشف الإعاشة” نفسه…!!
في السياق ذاته؛ لا يمكن تجاوز النشاط المحموم لإحدى الناشطات الطارئات، والتي انبرت للدفاع عن شرعية هذه الكشوفات و”حقوق” أصحابها، مهاجمةً كل من يعترض عليها. وهو ما يفسر حجم الاستفادة المباشرة، أو غير المباشرة، من هذا “الفتات”، وقد كشف منتقدوها عن شرائها شققا خاصة في الرياض والقاهرة. حتى أن صحفيا يمنيا ناقدا، لخص هذا المشهد بقوله: أن فلانة الناشطة، وكشف الإعاشة “من أهم الإجابات العريضة عن استطالة الحرب” في البلاد.
لكن جوهر الخلل- كما أراه- لم يكن يومًا متعلقًا بأفراد بعينهم، بل هو خلل بنيوي ومؤسسي أعمق، يتجلى في غياب منظومة مالية ورقابية تمنع استمرار بعثرة المال العام- ذلك “الفتات” الذي يوشك أن يقصم ظهر الدولة. ولطالما حدثنا العرب قديما عن “القشة التي قصمت ظهر البعير”.