
تقرير خاص| الجديد برس|
يشهد المشهد اليمني تحولات دراماتيكية متسارعة، مع تصعيد غير مسبوق تقوده السعودية لإعادة ترتيب أوراق النفوذ في المحافظات الجنوبية والشرقية، مستهدفاً بشكل مباشر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً. هذه التحركات، التي تجمع بين الضغط السياسي والإعلامي والعمليات العسكرية الميدانية، تنذر بمرحلة جديدة من الصراع، وتضع مصير “الانتقالي” ومشروعه الانفصالي على المحك، في ظل انهيار متتالٍ لقواته وفقدان نفوذه في معاقل استراتيجية.
عزل الزبيدي: استراتيجية سعودية متعددة الأوجه
تواصل السعودية، منذ أسابيع، سياسة الحصار السياسي والإعلامي على تيار رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، في إطار تحركاتها الشاملة لإعادة ترتيب المشهد السياسي في جنوب اليمن بعد انهيار التحالف مع الإمارات. وقد تجسد هذا المسار في عدة خطوات حاسمة.
أولاً، نشرت منصات إعلامية ووسائل مقربة من السعودية قائمة بأسماء صحفيين جنوبيين وشماليين تُتهم بأنهم “منظرون للانفصال” ويتقاضون “مرتبات ضخمة” من الإمارات. ضمت القائمة شخصيات بارزة مثل فهد طالب الشرفي، وكيل وزارة الإعلام في حكومة عدن، بالإضافة إلى آخرين، في محاولة واضحة لعزل الشخصيات المحسوبة على الإمارات داخل مؤسسات حكومة عدن، وتحييد الإعلاميين الموالين لتيار الزبيدي وحرمانهم من المشاركة في “مؤتمر تُعدّه السعودية لإعادة ترتيب المشهد جنوبياً”.
ثانياً، سربت السعودية سابقاً صورة لجواز سفر عيدروس الزبيدي الإماراتي، في إشارة واضحة إلى اعتباره “شخصاً غير مرغوب فيه” وخارج الحسابات السياسية المستقبلية للرياض في اليمن، مما يعزز سياسة الاستبعاد الكامل لقادة الانتقالي من أي ترتيبات قادمة. هذه الخطوات الإعلامية والسياسية تهدف إلى شيطنة الزبيدي وتياره، وتقديم رسالة لأنصاره في الجنوب بأنه ينفذ أجندة أبوظبي، مع اشتراط إزاحته من المشهد كشرط أساسي لأي ترتيبات سياسية قادمة.
ضربات عسكرية موجعة وانهيار متسارع في الشرق
بالتوازي مع الضغط السياسي، شنت السعودية حملة عسكرية واسعة النطاق في المحافظات الشرقية لليمن، مستهدفة جيوب نفوذ المجلس الانتقالي. ففي المهرة، استهدف الطيران الحربي السعودي، يوم الأحد، مقر محور الغيضة العسكري، وتحديداً اللواء 137 الذي يقوده اللواء محسن مرصع، قائد محور الغيضة الموالي للمجلس الانتقالي. هذه الضربة الجوية المركزة جاءت بالتزامن مع تقدم قوات “درع الوطن” الموالية للرياض للسيطرة على مواقع محدودة في المنطقة، وشهدت المنطقة “هروباً جماعياً” للقوات التي أصرت سابقاً على عدم الخروج من مواقعها. وأكدت المصادر أن الضربة التحذيرية جاءت “كرد فعل مباشر على تمسك فصائل الانتقالي بالمحور”، في تصعيد يهدف إلى فرض الانسحاب الكامل للقوات الموالية لأبوظبي.
وفي حضرموت، الأهم شرقي اليمن، استكملت الفصائل الموالية للسعودية سيطرتها على المحافظة في غضون يومين فقط من إطلاق عملية واسعة تدعمها السعودية كلياً وتوفر غطاءً جوياً لها. وقد توغلت هذه الفصائل في مناطق جديدة وسط الهضبة، وتحديداً في الخشعة وخشم العين وعكبان، وذلك بعد أيام على استكمال سيطرتها على المديريات الصحراوية المحاذية للسعودية والتي تعد كبرى مديريات حضرموت. هذه السيطرة السريعة جاءت بعد أن بدأت السعودية بفرض حظر جوي شامل على امتداد المحافظات الشرقية (شبوة، المهرة، حضرموت، سقطرى)، ورفضت منح تصاريح لرحلات إماراتية إلى جزيرة سقطرى، في إشارة واضحة لقطع خطوط الإمداد على الانتقالي.
أما في شبوة، فقد بدأ المجلس الانتقالي، مهاجمة مديريات المحافظة الغنية بالنفط، وسط حالة ممانعة للانخراط بمشروعه. وأعلن ما يعرف بـ “المجلس العام للمقاومة الجنوبية في شبوة” بدء عملية اقتحام لمديرية ميفعة لرفع علم الجنوب وصور الزبيدي. هذه الخطوة جاءت بعد رفض السلطة المحلية في عتق، بقيادة محافظ المؤتمر عوض العولقي، طلب الزبيدي إصدار بيان تأييد لمشروع إعلان الانفصال. وقد استدعت السعودية قادة فصائل عدة في شبوة، أبرزهم قائد المحور وألوية أخرى، إضافة إلى قيادات تخلت عنها الإمارات وأبرزها محمد البوحر قائد ما كانت تعرف بـ “النخبة الشبوانية”، ضمن ترتيبات لقطع خطوط الإمداد على الانتقالي.
إعادة تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة: تقليص نفوذ “الانتقالي”
بالتوازي مع التحركات العسكرية، شرعت السعودية بإجراءات إعادة تشكيل المجلس الرئاسي (السلطة الموالية لها جنوبي اليمن). حيث كشفت مصادر رفيعة في حكومة عدن عن ترتيبات سعودية جارية لتقليص قوام المجلس من ثمانية أعضاء إلى رئيس ونائبين فقط. وقد التقى وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، خلال الساعات الماضية بعضو المجلس عن الشمال “طارق صالح”، وعضو المجلس عن الجنوب “أبو زرعة المحرمي”. ورجحت المصادر أن يتم اعتماد طارق صالح نائباً وحيداً عن الشمال، والمحرمي نائباً عن الجنوب، مع بقاء رشاد العليمي في منصبه رئيساً للمجلس بصلاحيات كاملة. كما ستشمل هذه التغييرات تعديلات واسعة في حكومة عدن، بما يضمن تقليص حصة المجلس الانتقالي إلى حدها الأدنى، مقابل منح قوى جنوبية معارضة له حضوراً أوسع في هرم السلطة.
هذه التطورات جاءت بعد أن تلقى الزبيدي ضربة سياسية موجعة مع إعلان نوابه في الرئاسي، أبو زرعة المحرمي وفرج البحسني، تأدية الولاء للسعودية. وأصدر البحسني والمحرمي بيانات منفردة تضمنت “مغازلة وتزلفاً” للسعودية، وجاءت مغايرة لبيان الانتقالي الصادر عن الزبيدي الذي حاول الحفاظ على ماء الوجه بوضع شروط للمشاركة بمؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي.
الانتقالي في مأزق: استنجاد بإسرائيل وإغلاق قنوات إعلامية
وفي مفاجأة تكشف عمق الأزمة التي يواجهها الانتقالي، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قيام مسؤول رفيع في المجلس بالاستنجاد بالكيان الصهيوني للتدخل لدى السعودية لوقف حملتها العسكرية. ونقلت قناة “كان” العبرية عن المسؤول تأكيده أن المجلس يأمل في تدخل “إسرائيل” لإقناع الرياض بوقف عملياتها، مقدماً وعداً مستقبلياً بأن “دولة جنوبية مستقلة” ستكون “سعيدة بالانضمام” إلى اتفاقيات التطبيع. هذا الاستنجاد يعكس حالة اليأس التي وصل إليها المجلس بعد انهيار قواته.
كما دخل المجلس الانتقالي مرحلة تفكيك رمزية لمؤسساته الإعلامية، بإعلانه بدء ترتيبات إغلاق قناته الرسمية “AIC”، في خطوة تُفسر على أنها تمهيد لخروجه من المشهد السياسي تحت الضغط السعودي المتصاعد. وأفاد عاملون في القناة بأن الإدارة أبلغتهم بأخذ إجازة مفتوحة بدون راتب، مع توقعات بالإغلاق الرسمي خلال الأيام المقبلة، مما يشير إلى قطع التمويل الإماراتي أو توجه داخلي للمجلس لـ “اعتزال العمل السياسي”.
مستقبل غامض لجنوب اليمن
تؤكد هذه التطورات المتلاحقة نجاحاً باهراً للاستراتيجية السعودية في تفكيك التحالف الإماراتي-الانتقالي من الداخل، وإعادة ربط القيادات الجنوبية بالولاء التقليدي للرياض. ومع تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة إماراتياً، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر توتراً في الجنوب، مع احتمالات توسع الصراع بالوكالة بين الطرفين. ويبقى مستقبل جنوب اليمن غامضاً، في ظل سعي الرياض لإيجاد بديل سياسي وعسكري للانتقالي، وتصاعد الضغوط لفرض واقع جديد يضمن مصالحها الإقليمية.




