المقالات

العلاقة القاتلة بين الوحدة بالحرب والنظام السياسي

العلاقة القاتلة بين الوحدة بالحرب والنظام السياسي

الجديد برس : رأي

د.أبوبكر السقاف:
* الفدرالية تذكر بوثيقة العهد والاتفاق، التي دمغها الرئيس بالخيانة بعد ان وقع عليها. وتشبيه الاتفاق مع المشترك بها مكر جديد يضمر نية الانقلاب عليه وحشر كل اعداء الدولة السلطانية في حيز واحد، وهم: الانفصاليون، والملكيون، تمهيداً لحرب يومية ضداً عليهم في السنوات السبع القادمة
* إن ما يزيد القضية تعقيداً أن المعارضة حتى في إطار اللقاء المشترك معارضات، وتلتقي -باستثناء الاشتراكي -عند إنكار وجود قضية اسمها القضية الجنوبية بألف ولام التعريف، وإن كان الإنكار يزيد هنا وينقص هناك، وأضرى صورة نجدها عند السلطة. انها معارضات، لكل واحدة منها حبلها السري الذي يشدها إلى السلطة، وكل الطرق تؤدي إلى القصر، وتختلف تحت تأثير عوامل الجغرافيا السياسية وتواريخ التحالف وروابط «العصبية الجامعة»

الوضع في هذه البلاد، إذا ما وصف بأنه مترد،ٍ فإن هذا القول سيبدو تحسيناً لصورته ومدحاً له؛ فهو، بما يكاد يصبح إجماعاً للعقلاء من الدارسين من جميع الثقافات السائدة في هذا الكوكب، يعاني من أعراض الانهيار الكامل في المستويات كافة. ويكفي أن نوجز فنقول إنه في ذيل كل القوائم التي تصدر عن الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية برصد أحوال العالم والمؤسسات العلمية، وذلك في ما يتعلق بالتنمية البشرية والحقوق السياسية للمواطنين ودرجة شفافية الإدارة الحكومية، ومكان المرأة والطفل في المجتمع من حيث الحقوق والرعاية وأبجديات مقومات الكرامة الانسانية، واستقلال القضاء وفرص التقاضي في بلد يعج بصراع اجتماعي يذكر بالداروينية الاجتماعية.
وأما حظه من الاستقرار السياسي فإنه يتدنى عاماً بعد عام، وهو دائماً في جوار أليف ومستدام مع أفغانستان والسودان والصومال، رغم أنه لم يشهد حروباً كما شهدت وتشهد هذه البلدان، إلاَّ في العام 1994، وأحداث صعدة الدامية؛ مما يدل على أن هذا الجوار الأليف تمده بأسباب البقاء والاستمرار حرب يومية في حياة الناس. ومعها لا يحق لنا أن نعكس -كما فعل كثيرون- مقولة كلاوزفتز، فنقول إن السياسة استمرار للحرب بوسائل أخرى، ويصدق هذا على كل الذين يحترقون يومياً بهذا الاستمرار، ليس في الجنوب، بل وفي صعدة التي بدأ سكانها يهاجرون إلى بلدان الجوار، هروباً من عفو مفترس هو في حقيقته استمرار للحرب الظالمة التي شنها النظام. ولا شك أن وسواس الشرعية كان من أسباب تلك الحملة الدموية.
وهناك ملمح ثابت مستمر منذ عهد (ج. ع. ي)، وهو الحروب الصغيرة بين القبائل التي تشتعل وتخبو وفقاً لحاجات الدولة السلطانية، التي تمارس عقيدة سياسية مفادها أن تفكيك المجتمع أفضل وسيلة لحكمه، وتنفذها بهذه الحروب الصغيرة تسليحاً وتمويلاً، وإن كان منها ما ينفجر عفوياً بإرادة مستقلة من قبائل ترى أنها مظلومة من قبل القبيلة المناوبة على الحكم. وأما أداتها الجامعة المانعة التي تكللها فإنها الفساد الذي أصبح نظاماً. والفوضى المنظمة مكون أساسي لإدارة الفساد / النظام. إنه أمر يتجاوز «الدولة الرخوة» التي اكتشفها العالم الاقتصادي ميردال في اندونيسيا وفي غيرها من بلدان آسيا في ستينيات القرن الماضي؛ إذ كانت تعني هناك: كثرة القوانين التي لا تنفذ، أما عندنا حيث القانون ليس أساس التعامل والإدارة، لأن العرف يطرده بانتظام من جميع المجالات ليفسح المجال لسريان طاغوت الامتيازات؛ فإن الفوضى المنظمة هي التي تقوم بدوره بامتياز، فهناك آلاف من الأوامر الصارمة الصادرة عن الرئاسة لحل الوزارات والمؤسسات والقضاء. لا تنفذ. وتنشر الصحف سيلاً من هذه الأوامر العليا التي لا ينفذها أحد. وما يفضح هذه الفوضى المنظمة هو أن الأوامر المتعلقة بالامتيازات تنفذ بسرعة قياسية. كما أن القوانين واللوائح تطبق وفقاً لمنطق الامتيازات الصارم، قوانين الأجور، (عفوا: استراتيجية) لا تشمل ابناء المحافظات الجنوبية، وقوانين التقاعد تصل إليهم مثلومة. الناس في هذه الديار ليسو سواسية حتى في أبسط الحقوق، «الناس مقامات» وبالدلالة البدائية التي يصبح معها التمييز والتمايز الطبقي رحمة، لأن من لا يدخل دنيا المقامات منفي خارجها دون حق أو كرامة.
وابتكرت فطانة النظام في الآوانة الأخيرة معركة «دون كيخويتة» جديدة: محاربة الفساد، التي يقوم على تنفيذها الداخلون في تشكيل هرم الفساد من القمة إلى القاعدة، وتحاول الاعلانات أن تقنعنا بأن مشعلي الحرائق هم رجال الاطفاء الشوس.

أعراض الانهيار أفقية ورأسية، فالانقسام الاجتماعي عندنا أقرب إلى التشظي؛ إذ تخترقه عوامل اجتماعية -طبقية، وموروثات مدمرة داخل الجماعات، وتناقضات: الجنوب والشمال، تهامة والجبال، الرعوي والقبيلي. وهو متحد فسيفساء يحتاج إلى ما هو أكثر من حكم رشيد، أي حكمة تضاهي تلك التي نشاهدها في الصين وماليزيا.
إن النظام القائم يضاعف عوامل التشظي. وما دامت ثنائية «الوحدة والنظام» مطروحة منذ نهاية حرب العام 1994 فإن قصر ضرورة الاصلاح والتغيير على أحدهما، وهما توأمان سياسيان، لن ينقذهما؛ فلا بد من إصلاحهما معاً وإلا هلكا معاً. إن تصور أن إصلاح احدهما كافٍ، يبدو تفضيلاً تفرضه أسباب ذاتية أكثر مما هو محاولة للاقتراب من الشروط الموضوعية للاصلاح. إن التعقيد الذي داهم الوحدة بعد الحرب ألغى وحدة قائمة وخلق أخرى جديدة كل الجدة في شروط الواقع وفي النفوس والعقول، فمن الواضح أن طرفي الوحدة لما ينضجا لاستقبالها، ولا يؤكد هذه الحقيقة الطريقة الفوقية التي تمت بها، بل الحرب أم الأدلة وأقصى درجات الفشل حربها التي جاءت بعدها. إنها تمثل عجز العقل والارادة معاً. وأصبحنا في وضع ملتبس، بل شديد الالتباس؛ حيث يؤدي النظام إلى الوحدة، وتقود الوحدة القائمة إلى النظام، وهو جديد لم تلده الوحدة الأولى، وتنكره أشد انكار، سواءً قياساً على حقيقة الوحدة، أم على الوحدة المعيارية التي يزعم كل طرف أنه يمثلها. كما أن أسس البلاد تتمثل في أن الحرب ألغت براعم الديمقراطية التي وجدت قبلها، وكانت براعم مرهقة؛ إذ بدلاً من أن تساعدها شروط نمو على الحياة والايناع، وظفت لتكون وسيلة صراع وساحة قتال، ومن الطبيعي أن تذوي في صقيع الحرب، وتلد بعد حين نقيضها: الحكم المطلق، ولاية العهد. نسينا في تلك السنوات -وما نزال سادرين في النسيان- أن أول شرط للديمقراطية: الوحدة الوطنية، والإنسجام الوطني. فلا توجد يومنا هذا ديمقراطية قامت وتطورت واستقرت في بلد لا يملك هذه الوحدة وهذا الانسجام، منذ القرن السابع عشر حتى اليوم.
صنع نظاما الجنوب والشمال الوحدة على صورتهما إذ اقتصر دور الجمهور على التصفيق. قام بالأمر ممثلو دولتين تسلطيتين، كل واحدة منهما سلطانية جديدة على طريقتها، وهي في الشمال أقرب إلى الصورة القديمة، بينما تسربلت في الجنوب بطبيعة ستالينية وإن تميز حكمها بالقرب من العصر بحكم تطور الادارة والنظام الموروث من الاستعمار الذي مارس الجنوبيون معه عملية مثاقفة ناجحة، واحتفظوا بجوانب ايجابية فيه.
اننا نفتقد الوحدة والإنسجام بعد الحرب بصورة حادة، واصبحت مقدمات خلقهما اكثر صعوبة من أي وقت مضى. إن الحرب وإن بدا أنها تحل المشاكل بسرعة إلاَّ أنها تخلق مشاكلها الخاصة، وكثيراً ما تزرع بذور حرب جديدة، أو نزاع جديد؛ لا سيما إذا جاء النظام المنتصر دون مستوى التاريخ، أي يمثل الماضي، وليس المستقبل. فالاستقرار الذي تمتعت به الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب، يعود إلى أنموذج التطور الرأسمالي الذي مثَّله الشمال. بينما كان الجنوب بزراعته وقوانينه العبودية عائقاً أمام تطور البلاد. وبعد نحو قرن بدأ التحرر الحقيقي للامريكان الأفارقة، ولنقل بإيجاز هنا إن الصورة في تجربة الوحدة عندنا معكوسة.
إن الدولة السلطانية مرفوضة جملة وتفصيلاً من قبل كل اليمنيين، لا سيما بعد مشروع ولاية العهد. ولم يحلم الجنوبيون يوماً أن يستبدلوا بسلاطينهم سلطاناً غريباً يكرههم ولا يباهي إلا بقبيلته(1) وهو واحد داخل قبيلة صغيرة تنتمي إلى أقلية سكانية كانت تكون نحو ربع سكان البلاد يسكنون ربع مساحتها (ج. ع. ي). إن القبيلة ليست أصل التاريخ كما تتوهم الذهنية القبيلة نفسها، بل هي إحدى نتائجه، التي تجاوزها من رام التحضر وسعى إليه. وهذا ما أدركه بوعي عصري عميق الراحل الحبيب بورقيبة: «كان علينا أن نتخلص من الحياة القبلية التي كانت تعبث بالبلاد والتي باذكائها روح العشيرة تتنافى مع بنيان حضارة حقيقية، إذ لا حضارة إلا للشعوب الحضرية». من الواضح أن الحبيب أدرك أن وعياً تاريخياً مطابقاً للعصر هو دائماً مدخل لمشروع نهضة.
إن قذف سؤال الوحدة اللغز في وجه من يرى أن هناك قضية جنوبية، ينطوي على انكار وجود هذه القضية، مع أن الواقع يؤكد أنها موجودة، وصاحب السؤال ينطلق من أن الاصلاح الوحيد المطلوب إنما هو النظام وليس الوحدة، مع أن العطب والعطن قد سرى فيهما معاً، ولذا يبدو منطلقاً من موقع النظام القائم، ولنقل: من تفكير السلطة، وإن رفع عبقريته معارضاً، فهو ينطلق من إعفائها من كل مسؤولية عن ما لحق بالوحدة على يدها مع الحرب وبعدها، ويبقى النظام الذي يمكن أن نصلحه أو نرممه ونشارك فيه. إن صاحب السؤال يذهب أبعد من ذلك، إذ ينكر على الوضع البائس في الجنوب أن يكون متميزاً ولو بالبؤس والإذلال والشقاء الذي يسد كل آفاقه، باسم لاهوت سياسي يعض بالنواجذ على الوحدة القائمة. «المشاكل التي تعاني منها المحافظات الجنوبية ليست بعيدة عن معاناة المحافظات الشمالية، وهل هي قضية النظام أم هي قضية الوحدة؟»(محمد عبدالملك المتوكل، الأيام، 27/7/2006 ص5).
وهنا اتهام ضمني لمن يتوجه إليهم بالحديث بأنهم يرفضون الوحدة. وهذه النظرة إلى القضية الجنوبية قديمة أفصح عنها الزميل في صورة أشد تطرفا وجموحاً؛ فقد أرجع حديث الجنوبيين عن ويلات ما بعد الحرب 1994 إلى إدمان القات. فبعد أن كتب محقاً: «هذه المشاعر جزء آخر من مأساة الحرب»، أضاف على الفور: «ولا شك أن لشجرة الزقوم -حبشي أو يمني- اثراً سيئاً في طريقة تفكيرنا وتناولنا للأمور وتصرفنا في الحكم». إن صيغة الجمع والاشارة إلى الحكم لا تخفي فجاجة الوصف الذي أطلق على حديث الجنوبيين عن أحوالهم بعد الحرب (راجع ان شئت: محمد عبدالملك المتوكل، حوارات في المهجر وخمس اسر زيدية،الوحدوي،18/8/1998).
هذه خفة لا تراعي مقتضى الحال، في تعريف قديم للجاحظ، ولم تظفر لا بالبلاغة ولا بالتعاطف الوجداني مع قوم كانوا قريبي العهد بنار الحرب. ولا أدري كيف استطاع اختزال سياق سياسي وتاريخي واجتماعي مثقل بكل قتامة الحرب ودمارها، إلى عامل فيزيولوجي ناتج عن إدمان القات. إن تفكير الجنوبيين، في إطار هذا «الفهم»، ليس إلاَّ خدارة قات، كما يقول الاخوة في الشمال. ولن أطيل فقد فصلت في مقال بعنوان «أقنعة الطائفية السبعة» وحاولت أن أرجع هذا الفهم إلى أصول الفكر السياسي الزيدي وسياسة الدولة الزيدية منذ أيام الهادي واستمراره في الممارسة الفكرية والسياسية قبل وبعد العام 1962.
«ليست بعيدة»، تقدير وإن كان غير صحيح أفضل من الحديث عن شياطين شجرة الزقوم. وما طرحه الزميل في السؤال السابق صرح به في إجابته على سؤال لصحيفة «الثوري» قبيل مؤتمر الاشتراكي الأخير عن رأيه في البرنامج المطروح فأجاب بأن المسألة إنما هي إصلاح النظام ولا داعي لطرح قضية إصلاح مسار الوحدة.
إن المقلق حقاً هو ما يثيره هذا الانكار العنيد لوجود قضية جنوبية ليس من قبل السلطة، بل والمعارضة، إذ يصعب تصور وحدة متخيلة تجمع الناس جميعاً مع تمكن هذا الرفض من عقول بعضنا، أقول متخيلة وفقاً لرأي طرحه منذ الثمانينات أحد الكتاب الغربيين (بندكت اندرسون في كتابه «الجماعات المتخيلة») أي أن الوحدة تتحق وهم يمرون معاً بتجربة مشتركة يشعرون بالتوحد بها حتى وإن كانت سباقاً للدرجات في جولة حول البلاد. في السياق النفسي والعقلي القائم في هذه البلاد هل نستطيع أن نظفر بصورة لجماعة متخيلة، ونحن على هذه الدرجة من الاختلاف الحاد في النظر إلى القضايا الأساسية في واقعنا وإلى بعضنا؟
إن ما يزيد القضية تعقيداً أن المعارضة حتى في إطار اللقاء المشترك معارضات، وتلتقي -باستثناء الاشتراكي -عند إنكار وجود قضية اسمها القضية الجنوبية بألف ولام التعريف، وإن كان الإنكار يزيد هنا وينقص هناك، وأضرى صورة نجدها عند السلطة.
انها معارضات، لكل واحدة منها حبلها السري الذي يشدها إلى السلطة، وكل الطرق تؤدي إلى القصر، وتختلف تحت تأثير عوامل الجغرافيا السياسية وتواريخ التحالف وروابط «العصبية الجامعة»(2)، وكلها تواقة إلى المشاركة بنصيب في السلطة أو إعادة صوغ شروط التقاسم، ولكن لا أحد يريد تغيير بنية الدولة السلطانية، لأنها الوعاء المناسب للمشاركة أو التقاسم؛ واستمرار الوحدة. ومن هنا خلا برنامج المشترك من المطلب المحوري الذي يقرر نوع النظام السياسي في البلاد، من حيث انتمائه إلى الدولة العسكرية -السلطانية، أو إلى العصر الحديث ودولته المدنية.
الدولة السلطانية القائمة نقيض الدولة المدنية، والسياسة المدنية بعقلانيتها وعصريتها وأول شروطها: حاكم مدني، رئيس مدني لا يمكنه بالتعريف أن يجمع بين قيادة القوات المسلحة والأمن ورئاسة الدولة. هذه قضية القضايا. هي السؤال المزمن الذي تطرحه السياسة في كل بلد الحكم فيه للسيد الإنقلاب. يبدأ التحضر -بدلالته العميقة وكذلك العصرية- مع الدولة المدنية وسياستها. إن الجمع بين الرئاستين استمرار عصري لديناصور قديم إسمه: «دولة الجُند» و«إمارة الاستيلاء» والدولة السلطانية. وهذه الطبعة الأخيرة هي التي ورثناها من عصر الانحطاط العربي / الاسلامي، ولا نزال في مستنقعه، فنحن لم نزحزح، رغم المظاهر الديكورية، أية مؤسسة قديمة أو علاقة حقوقية قديمة أو تصوراً قديماً للدولة. لأن الانقلابات العسكرية ألغت بدايات التحديث العصري الذي أطل على العرب في عشرينيات القرن الماضي بدأت بالدستور ثم القضاء والاحزاب، واستولى العسكر على عرش الحكم والتفكير والافتاء. فخبت جذوة التفكير في مجتمعات اصبح التفكير في السياسة فيها خيانة كاملة الأركان. وهذا سر وصف الزعيم بأنه ملهم، أي إن علمه «لدني» خارق للمألوف. هذه الدولة تنتهي بالسقوط المدوي لتضع الناس أمام سؤال البداية. والمفاضلة في إطار هذه الدولة بين النظام البرلماني والرئاسي تجنب للسؤال عن مصدر السلطة والمرجعية والسيادة العليا.
وإذا كان القدماء قد سوغوا إمارة الاستيلاء بأن «السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم» أي صيانة وحدة الأمة والخلافة، بعد إقرارهم بأنها مناقضة للخلافة التي أصبح الظفر بها مستحيلاً، فإن تخريج الراحل ميشيل عفلق للفكرة نفسها جاءت في ما أسماه: «القائد الضرورة»(3).
ان الفكر السياسي عندنا لم يقطع صلته بما قبل الحداثة، لأسباب تكوينية واجتماعية وسياسية وثقافية، ولضعف وعي وتنظيم ممثلي القوى الجديدة في المجتمع. فالاصلاح مثلاً لا يستطيع ولا يريد وليس قادراً باجنحته: الاخوانية والسلفية والقبيلية، أن ينطلق من معارضة تقرر القطيعة مع البنية السياسية والاجتماعية القائمة، بسبب ثقل المصالح المشتركة المحكومة باعتماد الإصلاح والنظام القائم على قاعدة اجتماعية تكاد تكون متطابقة، وما يشوب هذه القاعدة من ممثلي القوى الجديدة -الحديثة؛ فإن سمتها الأساسية -من حيث وعي الذات- أنها لا تبدو قادرة على تمثيل نفسها، فتقوم الجهات المسيطرة بتمثيلها، وهذه تقرر مصير السياسة. «والمصالح العليا»، هاتان الكلمتان كانتا الاجابة المقتضبة على سؤال طرحه مراسل إذاعة «مونت كارلو» على الأحمر الأب، في ذروة الاتهامات المتبادلة قبيل إجراء انتخابات العام 1997: كيف تشاركون في الانتخابات رغم أنها مزورة؟!
كان الهدف الأول من تلك الانتخابات إضفاء شرعية على نتائج الحرب، بما فيها التعديلات الدستورية وإلغاء قضية الجنوب من جدول أعمال السياسة. ولا يزال هذا المسعى التاريخي للدولة السلطانية قائماً، والاصلاح يعرف هذا جيداً. ويصعب في هذا السياق تصديق ان «الكل متحمس بمن فيهم الاصلاح -بصراحة- الذي كان شريكاً في الحرب وشاعراً بالخطأ، بل على العكس عنده احساس بأنه لازم يكفر عن الخطأ الذي فعله وقد أعلنوا ذلك صراحة»(محمد عبدالملك المتوكل،المصدر نفسه(الأيام)27/7/2006م).
ولم يقرأ أحد في صحف الاصلاح شيئاً عن مثل هذا الندم في حدود علمي، بل إن احد مقار الاشتراكي التي احتلها الإصلاح الغازي أعيد إليه قبل بضعة أشهر. فكم عمر التوبة؟ وهل هي نصوح؟ وهل نسخ فتوى التكفير التي جعلت الحرب غزوا لدار كفر (الجنوب) وهي على أية حال لا تزال دار اضطهاد حتى يحررها ابناؤها وبناتها؟!
يريد الاصلاح إقامة الخلافة. وهذه نقطة انطلاق جميع حركات الاسلام السياسي السنية والشيعية(4) وهذا الهدف معيار المعايير كافة عندهم جميعاً. والتوبة -وإن تقية- ستفسد مشروع الخلافة، التي لا يطوى لها علم.
إن المغالطة المقصودة أو العفوية في سؤال الوحدة اللاهوتي تهب من أفق تصور الناس للوحدة المعيارية التي يتوق إليها المسلمون منذ الفتنة الكبرى، ومقتل الشهيد عثمان وهو يقرأ القرآن. فكل ظلم يصبر عليه باسمها، ويهرب الناس من التعدد لأنه إختلاف يؤدي إلى الفتنة. حتى أن مفكراً ليبرالياً رائداً مثل طه حسين ذم الفرقة التي حدثت في صفوف المسلمين في ذلك العهد، مع أن ابجدية الليبرالية الحرية والاختلاف. وكان هذا جزءاً من مرحلة ما بعد «في الشعر الجاهلي».
لا يتحدث أحد عن الوحدة المعيارية الغائبة بل عن هذه التي تأكل الحرث والنسل، هذا التنين النهم الذي لا يشبع مثل بئر لا قرار لها.
أضرى وأخبث ما في هذه الوحدة القائمة انها تدمر -بمنهجية «نظرية الإذلال»- مركز الثقل في الشخصية الانسانية، أي الكرامة، التي لا يستقيم أي أمر في غيابها، يستوي في هذا: المواطن/الوطن، الدستور / القوانين. وليس مصادفة البتة أن المادة الأولى في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان هي الكرامة، ومن هذا المبدأ يستخرج الدستور الألماني كل الحقوق، من التقاضي أمام المحكمة الفيدرالية العليا حتى حق التعويض إذا ما بنت الدولة مطاراً قرب منزل مواطن/ مواطنين.
«والنقمة هذه أوصلت الناس في الجنوب إلى أن يروا أبناء الشمال من مسؤولين وغير مسؤولين كل النعم تذهب إليهم ونحن بقينا بدون وظائف ودون مال ودون حياة سوية ودون عدالة. العدالة انتهت تماماً، وهذا ما دفعنا جميعاً إلى أن نقول: يجب أن ننفصل، الانفصال ليس جريمة إذا كانت له مبررات قوية.. أنا مثلاً مهندس مدني إنشائي كانت لي صولات وجولات قبل الوحدة من خلال وظيفتي وكنت اشعر بارتياح كبير وبالغ جداً باننا موظف ولي كرامتي ولي حقوقي كاملة؛ ولكن بعد الوحدة على طول وبعد الحرب اضمحل دخلي وشعرت بغبن وباننا انسان مضطهد وأننا انسان غير مطلوب في هذا البلد فإذا كان هذا شعوري؟! وشعور آخرين كغريم في الجنوب، فما تنتظر مني؟! أن أبارك الوحدة؟! أو أقول مشارك بقوة في الانتخابات؟! لا، هذا شيء لا يرضاه الله ولا رسوله»(محمد شفيق، المصدر السابق).
هذا كلام «مفرد بصيغة الجمع» وصاحبه صادق عندما يتحدث باسم الجميع: الناس، والماضي والحاضر والمستقبل المنشود. إن المهندس شعر بأنه خارج دائرة الكرامة التي عاش فيها وهو مثل وطنه غير مطلوب إلا ليكون موضوع حكم غريب ظالم، عينه على ثروات الارض والبحر والموقع. هذه صراحة وشجاعة، وكلتاهما من شيم أهل عدن، فليسوا ماهرين في الحديث الاعتباطي المزدوج. إذا حرمت الانسان – الفرد والجماعة- من الكرامة فلن تستطيع أن تهبه شيئاً يمت إلى الخيرات والطيبات المادية والروحية. الصولات والجولات تعبير عفوي شفهي جميل مفهوم في سياق الشخصية المدنية بأريحيتها وطلاقتها. كان الرجل يشعر أنه كل شيء إذ به يكاد يكون لا شيء، لولا أنه يعتصم داخل رفضه الشجاع للأمر الواقع فيصون كرامته. قال الفيلسوف هوبس: «إن ظهور القيمة التي نتبادلها ونسميها الاحترام، تعني اننا إذا ما قدرنا شخصاً تقديراً عالياً أننا نحترمه وإذا ما تدنى هذا التقدير فذلك يعني اننا لا نحترمه. بيد أن التقدير العالي والمتدني يجب ان يفهم مقارنة بتلك القيمة التي يراها الانسان في نفسه»(5). ومن يستطيع الحديث عن الاخوة داخل شروط العبودية عبد زنيم، وهو لغة: اللئيم الملتحق بقوم ليس منهم ولا يحتاجون إليه، الذي هجاه القرآن.
إن أهداف «نظرية الإذلال» قديماً وحديثاً تتلخص في حط قدر الانسان في نظر نفسه. وهذا ما لم تنجزه هذه النظرية التي تمارسها السلطة بلا كلل في الجنوب.
سؤال الوحدة والنظام يذكر بحكاية البيضة والدجاجة، البيزنطية، التي لا تزال شهرتها قائمة رغم أن علوم الاحياء ونظرية التطور تعرف أين البداية ومنذ زمن طويل.
إن الوحدة التي تحميها السلطة بالحراب تقود إلى نظامها، كما أن نظامها الذي يجسد الدولة السلطانية يقود إلى وحدتها، هما شيء واحد. وهناك سؤال يضاهيه في الزيف. كان كل نقد للدولة الاشتراكية في روسيا أو غيرها يواجه بإجابة كسول ومزهوة بنفسها: إن الخطأ في التطبيق وليس في النظرية. مع أن الفحص الفكري والتاريخي الدقيق قد أثبت منذ زمن طويل قبل سقوط دول «رأسمالية الدولة» أن الخطأ الأساسي في النظرية والتطبيق معاً.يكفي أن نذكر من حشو من الاسماء الأوروبية والروسية المفكر الاقتصادي والعربي سمير أمين، فقد ظل يعالج هذا السؤال على امتداد ثلاثين عاماً ومن زوايا متنوعة. فالنظرية التي مورست كانت استجابة لسؤال ملح: كيف يمكن تصنيع روسيا والنجاة من طوق الرأسمالية الأوروبية المتقدمة التي تملك مرتكزات في اقتصاد روسيا القيصرية؟ باختصار: كيف يمكن انقاذ الوطن روسيا الأم وليس بناء الاشتراكية والممارسة العملية السياسية كانت استمراراً للميراث القيصري الامبراطوري في صورة الاتحاد السوفييتي حيث الحاكم مالك (خازاين في الروسية) يشبه في جوانب عدة السلطان في الدولة السلطانية العربية الاسلامية. ولعل هذا الملمح من أسباب سلاسة التعامل بين عوامل أخرى، بين عبدالناصر وحكام روسيا وبعد ذلك مع طبعة فاشية ودموية من السلطان: صدام، والقذافي.. وهناك في آسيا وأفريقيا أمثلة أخرى. ولأسباب كثيرة سقطت القلعة من داخلها وكان الخارج عاملاً مساعداً فقط(6).
الخطأ إذاً في النظرية والتطبيق في حالنا أيضاً، رغم تواضع النظرية عندنا إلى درجة تهافت الذهنية البدوية، لأن الحديث يجري عن وحدة معيارية غائبة ويخلع صفاتها على وحدة قائمة، يراها الجنوبيون -كما يتضح من السطور السابقة- أكذوبة مسلحة.
يجني الاصرار على اضفاء الصفة المعيارية على هذه الوحدة القائمة، على المعيارية التي ينظر بها الناس إلى الوحدة بما هي أنموذج مثالي. ذلك لأن العلاقة بين المعياري والواقعي أو الأنموذج المثالي والواقع لها صفة الاقتراب النسبي أو الفشل في محاولة الاقتراب من المثال.ولأن الفشل في حالنا وفي زمان الوحدة السورية المصرية فاجع، فإن الادعاء بأن الوحدة غاية في حد ذاتها أو الوحدة وكفى، والعض بالنواجذ والمدافع على هذه الوحدة القائمة، يصيب الوحدة المعيارية في مقتل. ولأن الناس يعيشون في التاريخ وليس في الأبدية، يبدأ فكر الانفصال في التشكل، وهو فكر من أفكار فلا فضل لفكر الوحدة عليه إلا بقدر نجاعته في تحقيق طموح الناس داخل معطيات لا تجعل الوحدة غاية في ذاتها. إن الاحتماء داخل وحدة فاشلة بإضفاء المعيارية عليها يضاعف مشاكل الوحدة القائمة لأنها نقيض صارخ لأية وحدة معيارية. ويزدها خواءً الحديث الُهذاء عن استعادة للوحدة قديمة، وكأن عصرنا بحاجة إلىتاريخ الوحدات العسكرية التي استمرت حروب بعضها ثلاثمائة عام وهو الزمن الذي استغرقه تآلف سبأ وحمير..، تلك أمة قد خلت. بيد أن افتراض استمرارية الهوية مكون أساسي في الذهنية القبيلية البدوية، التي لا تعرف التاريخ إلا باعتباره تاريخ قبيلة، ولسنا بحاجة لا إلى العدنانية ولا القحطانية، ولا قيس واليمانية ولا إلى اقتتال السنة والشيعة، ولو بقيت للخوارج دولة لأكملوا الضلع الثالث. نريد وحدة عصرية تضمن اندارجنا في العصر وتحقق توقنا المزمن إلى الحرية والعدالة والتآخي الانساني.
قال العرب قديماً: أين الشجي من الخلي. ولذا لم استغرب أن محمداً لم يفهم حديث الأخوين أمان وقاسم. وينفرد قاسم بالحديث عن تزوير التاريخ ويذكر مقومات الدولة التي كانت قائمة في الجنوب بفضل جهود «كل الناس الطيبين في هذا الوطن الذين أفنوا اعمارهم في بناء هذه المكونات من مرافق إقتصادية ومؤسسات إدارة ونظم إدارية واسلوب حياة». أسلوب الحياة أمر بالغ الأهمية إذ يعني أن مقومات الدولة ومفهومها يتضافران في انتاج مجتمع عصري هو ما فقده الجنوب بعد الوحدة، ومن ثم فقده كل اليمنيين. اصبحت الوحدة عملية طرح دامية، لا جمعا بناءً وتراكماً لخبرات اجيال، تذكر بغارات البدو على المراكز الحضرية في تاريخنا وفي التاريخ العام. «ان الانتقام من هذه المكونات وتدميرها هو تدمير لأعمار الناس ولجهود الناس على مدى عقود من السنين، يعني تعدى من تدمير المؤسسات العامة ومقومات الدولة كاملة إلىالتعدي على حياة الناس وحقوقهم وأملاكهم من أصغرها إلى أكبرها ومعاملتهم كأنهم غرباء وكما قال أحد الزملاء وجد هنا ما يمكن تسميته بمشروع اجتثاث الجنوب والجنوبيين». هذه صورة دقيقة ومؤثرة لأنها صادقة تشرح واقعاً يعبث به الظلم والقسوة والبلادة والغطرسة. ذكر قاسم أن الموظف أو الطالب أو التاجر أو السياسي في الجنوب ليس مساوياً لنظير في الشمال. شعبان، بلدان، اللاتساوي قائم بين المواطنين لأن السلطة تقوم بتمييز رسمي في جميع المجالات فأنتجت عصبية شمالية صريحة تحول بين الناس والتعامل السوي(7). نحن أمام مواطنين بمرجعيتين فلا تجمعهم مرجعية واحدة. فما تمارسه السلطة يقوض من الأساس كل وحدة الوشائج الانسانية بين البشر لأنها تقوم على العنف وتصدر عنه فلا يتسع وعيها وسلوكها لأي لون من ألوان «الألفة الجامعة» التي يتحدث عنها أحد منظري الأحكام السلطانية و هو الماوري.
نعم أخي قاسم، «أصبح الناس ينقرضون من مؤسسات الدولة المركزية»، كما قلت، لأن الذهنية الحاكمة تقوم على مبدأ الحصرية. وحمى القبيلة هو المبتدأ والخبر، وخارجه يوجد رعايا أو أعداء. إن أزمة وجود النظام القائم تلخص أزمة القبيلة عندما تكون دولة، وأزمتها هنا هي اقصى حدود أزمة الدولة السلطانية العربية المعاصرة التي نسميها الدولة القُطرية. وكما تفشل في خلق متحد وطني قُطري وشروط تطور عصرية في مجتمعاتها، فإنها أيضاً تقوض كل امكان تضامن من الافكار العربية، إنها قد قضت على كل امكان لقيام نظام عربي، فاصبح الحديث عنه تفكيرا متمنياً لا يشير إلى أي واقع قائم. ومن هنا يكون اسقاطها شرط قيام اية صورة من صور النظام العربي المنشود.
الجنوب رافعة التحديث في يمن اليوم في نظر قاسم. وهذا قول صحيح وتعبير عن إرادة خيرة عند الجنوبيين، يرفضها النظام من اساسها. ومن المؤسف حقاً أن لا يفهمها المعارض محمد عبدالملك، لأن حدود معارضته لا تصل إلى تخوم الجنوب. وهو واحد من كثرة بين من يتحدثون وينشطون في مجال الشأن العام، دون أن يكون هذا العام في اتساعه وشموله وتعدده قائماً في نظرتهم إليه. ولعل العذر الوحيد، إن كان هذا جائزاً، أن واقع الجُزر اليمنية هو الذي يحكم الوعي. نحن لا نملك خبرة تاريخية متواصلة في الوطنية الجامعة، فالجهة او المذهب او العشيرة تدير دفة العين والعقل ومن هنا سهولة مهمة الدولة السلطانية، بل لعلها تدعي انها وحدها دليل وحدتنا، إذ يتغيب في أفق الممارسة السياسية نظرية وعملية أي جهد جماعي مشترك بين جميع الاطراف. ستبدو الكلمات التالية لقاسم اعتداداً مبالغاً فيه بالجنوب، ولكنها في واقع شروط التحديث المنشود خارج اطار الدولة السلطانية، كلمات دقيقة وصائبة. «التحديث والتنمية في اليمن هي الجنوب». لنتذكر الثروة النفطية، الكادر المُسرَّح مدنياً وعسكرياً، ميناء عدن وأسلوب الحياة. عندئذ تتضح بعض جوانب الفكرة. إن اعادة الاعتبار إلى العصرية والحداثة في الجنوب سوف يحيي أولاً ما كان الراحل زين السقاف يسميه ريف عدن: لواء تعز ولواء إب. وسكان هذه المناطق هم ملح الارض لأنهم لا يلتصقون بجهاز الدولة والجيش والأمن الذي اقصوا عنه منذ عقود طويلة، بل يذهبون رأساً إلى حقول العمل في التجارة والصناعة الحرفية والمهن الحرة من السمكرة حتى الطب. يمكن القول إن عدن كانت عاصمتهم الواقعية وبابهم إلى العالم والعصر.
إن تدمير الجنوب يلحق كل يوم ضرراً قاتلاً بكل اصقاع اليمن، وهذا ما لا تقدر على رؤيته عيون الحكام الشاخصة إلى المنفعة العاجلة والسريعة، فاتخذت من النهب والاستيلاء على الثروات الجاهزة -أرضاً وعقاراً وجهداً بشرياً- وسيلتها الاقتصادية الوحيدة. وإذا كان منطق الجباية سائداً في انحاء البلاد، فإنه في الجنوب يطبق وفقاً لمفهوم «أرض الخراج» المعروف في تاريخنا العربي الاسلامي.
من الواضح أن النظام القائم قوة برانية بالنسبة للجنوبيين، ولا يملك ذرة من الشرعية، لأن الحرب لا تصنع شرعية. وهو انما يستمد شرعيته من الاقلية التي يمثلها جهويا ومن المنتفعين ببلاطه ومائدته. ولذا ليس غريباً أن يشعر الجنوبيون بعزوف عن لعبة انتخابات الديمقراطية التي استُبدلت بالنظام الديمقراطي اليومي وبالانتخابات الديمقراطية، في سياق نفاق دولي تقوده الامبريالية الامريكية. كل هذه الافكار المحورية، التي ساقها قاسم ومحمد، بدا وكأنها زلت عن صخر- كما كان العرب القدماء يقولون. وكان هذا نصيب كلام الغريب.
إن هذا الواقع الذي يلغي بشرية الفرد والجماعة في الجنوب قبل الشمال لا يمكن أن تغير طبيعته انتخابات يقوم النظام بالاشراف عليها. وهذه حقيقة حتى بعد الاتفاق بينه والمشترك، وهو ما يؤكده كثيرون منذ شهور. هذه الدولة البرانية، التي لم تستبطن شرعيتها الاغلبية العظمى من الناس في هذه البلاد، لن تصبح جوانيه إلا بزوال طابع الدولة السلطانية عن دستورها وجيشها وإدارتها. فهل تستغرب إذا ما تدرج الوعي السياسي منذ 7/7/1994، من إصلاح مسار الوحدة، حتى تقرير المصير والمطالبة بالانفصال؟! رغم أن تأكيد قاسم على «رغبة الناس في هذا الشطر في الوحدة» صائب وبرهن عليه بالاستفتاء على دستور الوحدة والمشاركة في الانتخابات، ليخلص إلى أن الجنوبيين «كانوا أكثر إخلاصاً ووفاءً لقضية الوحدة». وليست مفارقة أن هذا الاخلاص للدستور والوفاء لمعايير الديمقراطية هو على وجه التحديد ما تكرهه السلطة في وعي وسلوك الجنوبيين.
أشرتُ في عامي 1994 و1995 في مقالات نشرتها «الأيام» إلى أن توقع تنازل المنتصر عن غنيمته -جزئياً أو كلياً- ضرب من تربيع الدائرة، فهو لا يجد سنداً لا في الطبيعة البشرية ولا في تاريخ السياسة. ولذا تنطوي فكرة اصلاح مسار الوحدة على استحالة تحول بينها والتحقيق، إلا في حال حدوث تغيير سياسي درامي في المنطقة. الوحدة القائمة في جزء كبير منها تقوم على الشرط الدولي، تماماً مثل سيادة كل بلد عربي. وقد اثبتت الأعوام الثلاثة عشر التي انقضت بعد نهاية حرب الالحاق، أن هذا التوقع لا يملك أية فرصة للتحقق، ولن يجدي الحجاج المنطقي المكرور في تغيير هذه الحقيقة. إن السلطة القائمة تعتقد أن الوحدة بدأت يوم 7/7/1994 فكيف تصلح وحدة كان مهرها الدم، كما في حكايات التوراة؟! وكان شاعرها مدركاً لهذا البعد عندما اقترح بُعيد نهاية الحرب إعتماد 7/7/94 يوم عيد وطني، لأن 22/5/90 يوم ناقص الأهلية الوطنية، أما يوم النصر فهو يوم أيام الدولة السلطانية.
الفدرالية تذكر بوثيقة العهد والاتفاق، التي دمغها الرئيس بالخيانة بعد ان وقع عليها. وتشبيه الاتفاق مع المشترك بها مكر جديد يضمر نية الانقلاب عليه وحشر كل اعداء الدولة السلطانية في حيز واحد، وهم: الانفصاليون، والملكيون، تمهيداً لحرب يومية ضداً عليهم في السنوات السبع القادمة، التي يراد لها إكمال المشوار التاريخي بالانتصار الكامل للقبيلة وولاية العهد فيها.
لم يبق إلا الانفصال. هذا ما جاء صريحاً في كلام أمان، ومضمراً عند قاسم، وتحذيراً مشفقاً بين السطور عند علي هيثم الغريب، مع إدراكه بأن المعارضة في اللقاء المشترك «… لم تتناول القضية المحورية في هذا الوقت وهي القضية الجنوبية». ويرى -محقاً وبناء على مقدمته هذه- ان هذه المعارضة «حتى إذا وصلت إلى السلطة، فإنها ايضاً لن تتبنى هذه القضايا ولذا عندما نقول إصلاح الوحدة يعني أنه لا بد أن يكون هناك شكل نظام وحدوي حقيقي…»، وهو يرى في تشكل ثقافة غير ثقافة الوحدة. وتكمن خطورة فكر الانفصال في تقديره في أن «… الهزيمة العسكرية يمكن ان تمر وهي مؤقتة والهزيمة الاقتصادية ممكن تمر وهي ايضاً مؤقتة ولكن نشوء أو ظهور ثقافة معينة من الصعب القضاء عليها لأن لديها مبرراتها ولديها الواقع الذي تنطلق منه ونحن وتقديراً لهذا الوطن العزيز وهذه الوحدة العظيمة(…) علينا أن نعيد حسابات كثيرة» وذلك «خوفاً على [لعلها من «أ.س»] تلك التقسيمات التي ظهرت في ماضي التاريخ»(المصدر نفسه) إنه خوف نبيل بلا شك، فلا أحد يطرب وهو يرى روما تحترق إلا نيرون، ليوقع الحانه المحبوبة على قيثارته. إن المخيف حقاً هو ذلك القدر الهائل من اللامعقول الذي تنطوي عليه اعمال البشر ولا سيما في السياسة. هناك كثير من الساسة قالوا: أنا ومعدي الطوفان. والمهمة تكمن في قدرتنا على اتخاذ المقاومة السلمية المنظمة والمستمرة طريقاً وحيداً للخلاص من الدولة السلطانية، أياً كان الدرب الذي نسلكه، اصلاح مسار الوحدة، أو حق تقرير المصير، أو الفيدرالية. إن تعدد الحلول المقترحة عندما يسمح النظام السياسي بطرحها علناً فإنه بذلك يقترب من احدى العلامات المميزة للديمقراطية الليبرالية، فاختفاء التنوع وتكرار فكرة واحدة واجترارها، دليل على ضمور مجال الفكر الحر وحيوية التفكير الخلاق، فالاختلاف مهماز الفكر ومادة التفكير. ومن المؤسف ان ذهنية السلطة لا تزال ماضية في التخوين والتكفير، ويتوقع ان تزيد سعار هذه الذهنية بعد الانتخابات.
واذا ما اردنا ان نتعلم من الاخرين فعلينا ان نتذكر ان الحزب النازي البريطاني بزعامة موزلي، لم يحظر إلا بعد سقوط قنابل هتلر على لندن وسجن الزعيم. فإذا لم تكن الحرية هي الاصل والمآل فلا خير في أي نظام سياسي. وليس مصادفة أن يتفق روسو وماركس في أن الهدف من السياسة ليس السلطة ولكن تحقيق الحرب والظفر بمباهجها للناس جميعاً.

كمبردج في 30/7/2006

* هوامش:

(1) كان ملوك سبأ في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد لا يشيرون البتة إلى انسابهم في النقوش ويكتفون بذكر اسمائهم، بينما تورد سلسلة النسب إذا ما ذكر احدهم في النقوش قبل توليه الحكم ملكاً. لان هذه الصفة تجعله فوق الانتماء الخاص.
تنبه الباحث الفرنسي في السبئيات، ك. روبان، إلى هذه المسألة في العام 1982. وأثبت هذه الحقيقة التاريخية عالم السبئيات الروسي أ.ف. كراتايف، وأفرد لها فقرة في كتابه «دراسات سبئية»: الاتجاهات العامة والعوامل التي اثرت في تطور الحضارة السبئية، الأداب والشريعة، أكاديمية العلوم الروسية، موسكو 1997.
(2) مصطلح العصبية الجامعة الخلدوني يساعد على فهم ما يجري في غير قطر عربي، وهذا يعني أنه وعصره معاصران ان لنا أي اننا لم نتزحزح في رحاب التاريخ وعندما يمتنع توظيف مقولاته ومصطلحاته لفهم رائفنا فذلك سيعني اننا ابتعدنا عن عصر العلاّمة الحضرمي الذي منح الجنسية اليمنية بأثر رجعي في المهرجان الأخير الذي نظمه اتحاد الكتاب ا لعرب بصنعاء لمداراة الخجل الذي ربما احست به الدول والمجتمعات العربية عندما اخذت تقلداً اسبانيا التي تحتفل به ستة اشهر هذا العام وباشراف ملكها. كان يمثل الثقافة العربية في مشرقها ومغربها فكان عربياً بامتياز وإن اثبت نسبه الحضرمي في سيرته على طريقة ذلك الزمان.
(3) عندما احتدم الصراع في أحد مؤتمرات البعث في العام 1968 ورأى الراحل ميشيل عفلق أن كفة تيار اليسار -ومعظم ممثليه من سورية: عبد الكريم زهور، ويس الحافظ وغيرهما- قد ترجح أراء قطع الطريق عليهم، فدخل صدام وطارق عزيز بأسلحتهم إلى الاجتماع.. وقال العميد عن صدام: هذا الشاب هدية السماء للبعث، وهو هدية البعث إلى الأمة، إنه «القائدة الضرورة» فأدخله عالم الحتمية الطبيعية، وهذه جبرية في مجال الفكر الاجتماعي السياسي. وللعميد تجارب مع الانقلابات العسكرية في سورية معروفة. وبذلك يكون العميد قد صنع وحشين في التاريخ العربي المعاصر: صدام وحافظ الأسد. والرومانسية واللاعقلانية في فكر البعث منذ الأرسوزي كان لا بد أن تقوده إلى هذا المآل، كما حدث في ايطاليا والمانيا وعند القوميين السوريين وأنطون سعادة.(عن مؤتمر العام 1968 ارجع إن شئت إلى مذكرات هاني الفكيكي دار الساقي، لندن، وهو بعثي سابق نشر كتابه قبل إعادة استعمار العراق في 2003).
(4) صرح المرشد العام للاخوان المسلمين في مصر لمجلة «روز اليوسف» في نيسان الماضي ضمن حديث طويل إن الهدف إنما هو اقامة الخلافة الاسلامية، وأنه يقبل بخليفة من ماليزيا.
والسؤال هو هل سيقبل الماليزي، الذي تجاوز إسلامه أفق الاسلام السياسي العربي فأصبح واحداً من ممثلي الاسلام في عصرنا؟! ومن المعروف أن حركة الاخوان العام1928 نشأت بتأثير قوي من فكر رشيد رضا، وجاء رداً على إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية العام 1924، لا سيما بعد فشل فكرة الجامعة الاسلامية التي كان رضا من المتحمسين لها. وبيان مارس 2004 الذي أصدره الاخوان في مصر يؤكد هذا الطموح إلى الخلافة وهو بيان يشرح منهاج إصلاحهم بالتفصيل.. وقالوا في مناسبة أخرى «الاسلام سقف الديمقراطية» أي تعود السياسة المدنية إلى المربع الديني، بينما تهدف إلى ان تقيم دولة لمواطنيها لا مكان فيها للطوائف في صورتيها الدينية والاجتماعية. وهم إن وصلوا إلى السلطة سيعيدون انتاج الدولة السلطانية وفي نسخة تديين السياسة. وهم غير قادرين -مثلها- على التغيير أو الاصلاح بله الثورة والنهضة. وهنا كل القضية في المجتمعات العربية التي ألغى فيها الاستبداد السياسة، واستعادتها لن يكون على يد من يلغونها بالدين في اطار تصور يخدم دنياهم.
(5) يقول الشاعر والفارس قطري بن فجاءة المازني، وكان أحد زعماء الخوارج، في قصيدة مشهورة له:
وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع
(6) كانت عقدة العقد في نظام رأسمالية الدولة في المعسكر الاشتراكي توقف النمو بسبب عدم تحمس العمال والزراع واصحاب المهن للعمل مع أن شعار الدولة: «العمل قضية تتعلق بالشرف..» (الدستور السوفييتي)، وذلك لأن المناخ الذي خلقته رأسمالية الدولة سد مارب الحراك الاجتماعي والطموح الفردي ووضع في أيدي المواطنين نقود لا يستطيعون شراء شيء بها، وركز الثروة والسلطة في يد «الطبقة الجديدة»(جيلاس ميلوفان) الحريات العامة وحرية الفكر في بلدان أصبح فيها سكان الحضر الأغلبية العظمى أشرتُ إلى هذه القضايا في دراسة مطولة عن مشاكل البيئة في الاتحاد السوفييتي، ومخاطرها ودلالاتها السياسية، ونشرت في «العام 1980 في الثقافة الجديدة» بعدن.
(7) ما ذكره الأخ قاسم عن انسحاب النواب عندما رأس جلسة مجلس النواب باصالح، له دلالاته البعيدة بلا شك، والأسوأ أن الاستقواء بالشمالية اصبح ممارسة سائدة في اقسام الشرطة والمحاكم والادارات الرسمية. إن التمييز الرسمي الذي تمارسه السلطة يسمم العلاقات بين الناس. ثم ما معنى أن يتم دفع الديات او التعويضات لمتخاصمين في صنعاء بقطعة أرض تهبها الدولة في عدن. وقد سمعت غير واحد يقول إنه حصل على قطعة أرض ولا يعرف إلا أنها في مكان ما في عدن. «ارض لا مالك لها» كما يقول الانكليز… أرض الله التي تنتظر من يملكها. ورغم هذه الوقائع الدامغة يكتب اشتراكي جديد غاضباً لأن الزميل المرادي ذكر محقاً، في ندوة، غزو الجنوب فإذا بالاشتراكي الغيور يرى في هذا إساءة لابناء الشمال.. في تعقيب له نشرته «الثوري» ولا شك في أنه سمع في أيام الحرب عن الشعار «من جهز غازياً فقد غزا» وظل مرفوعاً نحو ستة اشهر في شارع تعز بصنعاء في غير تقاطع، وهو يلخص الفتوى سيئة الذكر.

نشر المقال في صحيفة النداء الأربعاء , 6 سبتمبر 2006 م

مجلة اوسان
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com