مدينة على حافة التناقض

مقالات |
تحتاج المدينة إلى أرضية مشتركة تُخفف من حدة التناقض، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس مصلحة الناس أولًا.
المدينة التي تتجاذبها مشاريع التناقضات هي مدينة يشوبها الحذر، ويمشي معظم الناس فيها والخوف يدفعهم للتلفت يمينا ويسارا، كأنهم في انتظار ما لا يُتوقع.
بقلم. أحمد ناصر حميدان|
تحتاج المدينة إلى أرضية مشتركة تُخفف من حدة التناقض، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس مصلحة الناس أولًا.
المدينة التي تتجاذبها مشاريع التناقضات هي مدينة يشوبها الحذر، ويمشي معظم الناس فيها والخوف يدفعهم للتلفت يمينا ويسارا، كأنهم في انتظار ما لا يُتوقع.
هذا المشهد ليس تفصيلا عابرا، بل نتيجة طبيعية لصراع مشاريع لا تلتقي، ورؤى لا يجمعها حد أدنى من التوافق.
حين تتحول المدينة إلى ساحة شدٍّ بين قوى متباينة، يفقد الإنسان البسيط بوصلته. لا يعود قادرًا على فهم ما يجري، ولا على توقع ما سيحدث. ومع غياب الوضوح، يتقدم القلق إلى الواجهة، ويصبح الحذر أسلوب حياة، لا خيارا مؤقتا.
المشكلة لا تكمن فقط في تعدد المشاريع، بل في طبيعة هذا التعدد حين يكون قائمًا على التناقض لا التنوع. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير ضمن إطار جامع، أما التناقض غير المنضبط فيحوّل المدينة إلى فضاء مفتوح على الاحتمالات الصعبة، ويجعل الاستقرار أمرًا هشًا.
في مثل هذا الواقع، يتراجع الإحساس بالأمان، ليس لأن الخطر حاضر دائما، بل لأن احتماله قائم في كل لحظة.
وهذا كافٍ ليجعل الناس يعيشون في حالة ترقب مستمر، تستنزف طاقتهم وتؤثر على علاقتهم بمدينتهم.
إن الخروج من هذه الحالة لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بإدارته. تحتاج المدينة إلى أرضية مشتركة تُخفف من حدة التناقض، وتعيد ترتيب الأولويات على أساس مصلحة الناس أولًا.
كما أن المسؤولية تقع على عاتق القوى الفاعلة في أن تدرك أن صراعها المفتوح لا ينتج إلا مزيدا من القلق العام، وأن أي مشروع لا يضع استقرار المجتمع في مقدمة أهدافه، هو مشروع ناقص مهما كانت شعاراته.
فالمدن لا تحتمل العيش طويلًا في ظل التناقضات الحادة. إما أن تُدار هذه التباينات بعقلانية، أو تترك آثارها العميقة على الإنسان والمكان معًا.
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يسير في شوارع مدينته محاطا بالحذر، ينتظر لحظة يعود فيها الشعور الطبيعي بالأمان، لا كامتياز، بل كحق بديهي.
المصدر: المهرية نت.




