«الحرب على إيران: غياب الحسابات الإستراتيجية»
التحذير الذي فهمه رؤساء أمريكا من “بوش إلى بايدن” وتجاهله ترامب: الهاوية تقترب «قراءة في مقال تحذيري من كارثة ستطال كل بيت في العالم»

مقالات – الجديد برس |
منذ نحو ثلاثة عقود، ومع كل جولة توتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كان في داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية صوت ثابت لا يكاد يتغير: لا تذهبوا إلى حرب مع إيران. لم يكن هذا التحذير صادرا عن تيار مسالم، أو عن جنرالات يخشون المواجهة، بل عن عسكريين محترفين درسوا الخرائط، وقارنوا القدرات، وراجعوا سيناريوهات التصعيد، وخبروا معنى أن تتورط قوة عظمى في حرب تبدأ بقرار سياسي سريع ولا تنتهي إلا بكارثة استراتيجية مفتوحة.
«الحرب على إيران: غياب الحسابات الإستراتيجية»
*بقلم- نبهان خريشة |
منذ نحو ثلاثة عقود، ومع كل جولة توتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كان في داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية صوت ثابت لا يكاد يتغير: لا تذهبوا إلى حرب مع إيران. لم يكن هذا التحذير صادرا عن تيار مسالم، أو عن جنرالات يخشون المواجهة، بل عن عسكريين محترفين درسوا الخرائط، وقارنوا القدرات، وراجعوا سيناريوهات التصعيد، وخبروا معنى أن تتورط قوة عظمى في حرب تبدأ بقرار سياسي سريع ولا تنتهي إلا بكارثة استراتيجية مفتوحة.
قالوا للرؤساء الأمريكيين، من بوش الى بايدن، إن إيران ليست العراق، لا من حيث الحجم، ولا من حيث السكان، ولا من حيث الجغرافيا، ولا من حيث طبيعة الدولة والمجتمع، ولا من حيث القدرة على امتصاص الضربات والرد عليها. كانت الخلاصة دائما واحدة: أي حرب مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، ولن تبقى محصورة في حدودها، ولن تدفع ثمنها طهران وحدها.
إيران أكبر من العراق بأضعاف، وعدد سكانها يتجاوز العراق بكثير، وتضاريسها الجبلية والوعرة والمترامية تجعل من أي حلم بالغزو، أو الإخضاع السريع وهماً ثقيلا ومكلفا. الجغرافيا هناك ليست مجرد خلفية صامتة للحرب، بل هي طرف فاعل فيها. هي أرض تبتلع الجيوش، وتربك الإمداد، وتطيل أمد الاستنزاف، وتمنح المدافع أفضلية قاسية على المهاجم. من يقرأ تاريخ الحروب يدرك أن الجغرافيا ليست تفصيلا، وأن الدول التي تملك عمقا سكانيا ومساحة واسعة وبنية صاروخية وشبكات حلفاء وأذرعا إقليمية لا تسقط بضربة استعراضية، ولا تنكسر تحت وقع الشعارات. لهذا لم يكن تحذير الجنرالات الأمريكيين نابعا من الخوف، بل من المعرفة.
لكن ما الذي يحدث عندما تتجاوز القيادة السياسية توصيات العسكريين؟ ما الذي يحدث عندما يحل الهوس العقائدي والانتخابي محل التقدير الاستراتيجي؟ ما الذي يحدث عندما يقرر السياسي أن يكتب بالنار ما عجز عن فرضه بالدبلوماسية؟ ما يحدث هو ما نراه الآن: حرب لم تضرب إيران وحدها، بل أصابت الشرق الأوسط كله بالارتجاج، ودفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الاختناق، وحولت أسعار الطاقة والشحن والتأمين والغذاء إلى قنابل موقوتة في وجه كل أسرة على هذا الكوكب. منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فباير الماضي، لم يعد الأمر شأنا إقليميا محدودا، ولم يعد ممكنا تسويق العدوان باعتباره عملية جراحية دقيقة أو حربا خاطفة ذات أهداف واضحة. العالم كله بدأ يدفع الفاتورة، من محطات الوقود إلى سلاسل الإمداد، ومن أسواق المال إلى ميزانيات الأسر. وحين تمر النار قرب مضيق هرمز، فإن كل سيارة وكل مصنع وكل فاتورة كهرباء في العالم تدخل عمليا في دائرة التهديد.
هنا تحديدا تتكشف فضيحة القرار السياسي في واشنطن وتل أبيب، فالحرب لم تكن ثمرة ضرورة عسكرية حتمية، بل نتيجة ضغوط أيديولوجية وسياسية كثيفة دفعت باتجاه المواجهة المباشرة. ووفقا لما تردد مرارا في التحليلات والتقارير وتصريحات مسؤولين أمريكيين سابقين، فإن أركان اليمين الإنجيلي الصهيوني داخل إدارة ترامب، ومعهم الامتدادات السياسية والإعلامية المتحالفة مع إسرائيل، مارسوا ضغطا عدوانيا ومستمرا لدفع الولايات المتحدة إلى الحرب. لم يكن الأمر متعلقا فقط بحسابات الردع أو الأمن الإقليمي، كما يروج الخطاب الرسمي، بل بمزيج خطير من الأوهام اللاهوتية والمصالح الجيوسياسية والرغبة الإسرائيلية المزمنة في تحطيم أي قوة إقليمية يمكن أن تفرض كلفة على مشروع الهيمنة. والأخطر في هذا السياق أن بعض هؤلاء لا ينظرون إلى الحرب باعتبارها آخر الخيارات، بل باعتبارها بوابة لتحقيق نبوءات دينية مشوهة عن أسطورة تل مجدو «هرمجدون»، والخلاص الموعود وإعادة ترتيب الشرق الأوسط بالنار. وعندما تتسرب هذه الذهنية إلى مركز القرار في القوة الأعظم في العالم، فإن الكارثة تصبح مسألة وقت، ذلك أن الحرب حين تدار بعقلية نبوئية لا بعقلية استراتيجية، تتحول من أداة سياسية إلى طقس تدميري، ومن وسيلة ضغط إلى مشروع فوضى شاملة. وهنا لا يعود السؤال: هل الحرب مبررة أم لا؟ بل يصبح: كيف سُمح أصلا لأوهام أيديولوجية متطرفة أن تدفع المنطقة والعالم إلى حافة الانفجار؟
محاكاة الحروب التي أجراها البنتاغون على مدار سنوات كانت تقول بوضوح: يمكن بدء الحرب مع إيران، لكن لا يمكن التحكم بمساراتها، ولا ضمان نهاياتها، ولا تجنب آثارها المدمرة
لقد روجت إسرائيل ومعها الصهاينة المسيحيون في الولايات المتحدة، لفكرة مضللة مفادها أن النظام الإيراني هش، وأن ضربة مركزة على القيادة والبنية النووية ومراكز الدولة ستؤدي إلى انهياره السريع، وأن نظاما جديدا صديقا للغرب سيخرج من تحت الأنقاض. هذا هو الوهم نفسه، الذي سبق أن سوق في تجارب أخرى: اضرب الرأس يسقط الجسد، دمر الدولة يولد الاستقرار، افتح أبواب الجحيم يخرج منها حليف مطيع. لكن الوقائع، لا الأمنيات، هي التي تحكم الحروب. والمؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها على مدى نحو 30 عاما لم تكن مقتنعة بهذه الخرافة السياسية. ليس لأنها كانت رحيمة بإيران، بل لأنها درستها ببرود المؤسسات وخبرة الجيوش. محاكاة الحروب التي أجراها البنتاغون على مدار سنوات كانت تقول شيئا واحدا بوضوح: يمكن بدء الحرب مع إيران، لكن لا يمكن التحكم بمساراتها، ولا ضمان نهاياتها، ولا تجنب آثارها المدمرة على المصالح الأمريكية والعالمية.
لماذا؟ لأن تدمير منشآت نووية معروفة لا يعني تدمير دولة، وضرب مراكز القيادة لا يعني إسقاط نظام، وقصف المباني الحكومية لا يعني شل مجتمع كامل، أو تفكيك إرادة دولة كبيرة. عندما ينقشع الدخان، ستبقى هناك دولة من عشرات الملايين، منتشرة فوق جغرافيا قاسية، ومشبعة بخبرة طويلة في الصبر تحت العقوبات والتهديد، ومسنودة بترسانة صاروخية قادرة على تحويل القواعد والمنشآت الحيوية وخطوط الملاحة ومرافق الطاقة في الخليج إلى أهداف مفتوحة. هذه ليست نظرية، بل معادلة ردع معروفة منذ سنوات. وكان الجنرالات الأمريكيون يعرفون أن إيران لا تحتاج إلى احتلال أحد كي تُدخل المنطقة كلها في دوامة نار. يكفي أن تستخدم ما لديها من صواريخ وأدوات ضغط وقدرات بحرية وشبكات نفوذ، حتى يصبح الخليج كله على صفيح مشتعل، ويصبح الشرق الأوسط بأسره مهددا بانفجار متعدد الجبهات.
إن أكثر ما يدين الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ليس فقط أنها عدوانية ومتهورة، بل أنها أيضا تكشف قدرا هائلا من الغطرسة وسوء التقدير. فواشنطن وتل أبيب تصرفتا وكأن التاريخ لا يعلم شيئا، وكأن العراق وأفغانستان مجرد هوامش منسية، وكأن تدمير الدول من الخارج ينتج أنظمة مستقرة موالية، لا مجتمعات ممزقة وفوضى عابرة للحدود. هذه الحرب ليست دليلا على القوة، بل على العجز عن التفكير السياسي. إنها تعبير عن إفلاس في الخيال الاستراتيجي: حين تعجز عن إنتاج تسوية، تلجأ إلى القصف. حين تفشل في احتواء خصمك، تحاول تدميره. وحين تخشى صعود قوة إقليمية مستقلة، تستدعي العالم كله إلى محرقة اقتصادية وعسكرية لمنعها. ثم إن الفضيحة الأخلاقية لا تقل فداحة عن الفضيحة الاستراتيجية، فمن منح الولايات المتحدة وإسرائيل حق تقرير مصير المنطقة بالقوة؟ ومن أعطاهما شرعية تعريض الملاحة الدولية والطاقة العالمية والأمن الإقليمي لهذا المستوى من المخاطرة؟ إن خطاب الحرب الذي يتحدث عن الاستباق والحسم والأمن ليس سوى غطاء بلاغي لعدوان مكتمل الأركان، عدوان لا يرى في شعوب المنطقة سوى وقود لمعادلات الهيمنة. وما يزيد المشهد قتامة أن من أشعل هذه الحرب يفعل ذلك وهو يعلم مسبقا أن الأكلاف لن تكون عليه وحده، بل على شعوب العالم، وعلى المجتمعات الفقيرة، وعلى الدول المستوردة للطاقة، وعلى ملايين البشر الذين لا علاقة لهم بأوهام واشنطن وتل أبيب.
الحرب على إيران ليست فقط خطأً سياسياً واستراتيجياً، بل هي أيضا درس جديد في كيف يمكن للتحالف بين التطرف الأيديولوجي والمصلحة الإمبراطورية أن يدفع العالم نحو الهاوية. لقد تجاهل السياسيون الأمريكيون التحذيرات المهنية، واحتقروا منطق الجغرافيا، واستهانوا بقدرات الخصم، وصدقوا أكذوبة الحسم السريع. لكن المنطقة ليست مختبرا لرغباتهم، وإيران ليست فراغا جيوسياسيا، والخليج ليس مجرد ممر يمكن اللعب به بلا ثمن. كل ما يجري الآن يؤكد أن تجاوز توصية الجنرالات لم يكن شجاعة، بل تهورا. وأن إحلال الحسابات السياسية محل التقديرات العسكرية لم يكن حسما، بل انتحار استراتيجي بطيء. وأن الرهان على إسقاط دولة كبيرة بالقصف، ما هو إلا وصفة لإشعال الشرق الأوسط، وخنق الاقتصاد العالمي، وفتح باب فوضى قد لا يستطيع أحد إغلاقه.
* المصدر: القدس العربي.
*كاتب فلسطيني




