«حضرموت» بين عبث الوكلاء وتنافس القوى الإقليمية على ثروة اليمن
8:01 م - 2025-11-29
23 المشاهدات
الجديد برس| متابعات|
تتجه محافظة حضرموت، الشريان الاقتصادي والقلب الجغرافي لشرق اليمن، بخطى متسارعة نحو حافة مواجهة مسلحة شاملة، ما يؤكد أنها أصبحت ساحة مفضلة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب استقرار البلاد وثرواتها.
تشير الأنباء الواردة حول وصول تعزيزات عسكرية ضخمة تابعة لمليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة والممولة من الإمارات العربية المتحدة، إلى ساحل حضرموت، بالتزامن مع حشد قبلي مضاد للمكونات المحلية، إلى أن المنطقة تعيش حالة “صفيح ساخن” ينذر بانفجار في أي لحظة.
إن هذا التصعيد ليس مجرد مناوشة محلية على سلطة، بل يمثل نقطة تحول حاسمة في صراع النفوذ الإقليمي والمطالب المحلية بإدارة الذات والثروة، ويكشف عن عمق التدخل الخارجي الذي يهدف إلى تفكيك اليمن والسيطرة على مقدراته.
انطلقت شرارة الأزمة الأخيرة بتهديدات صريحة وغير مسبوقة أطلقها القيادي في مليشيا الانتقالي، أبو علي الحضرمي، ضد رئيس حلف قبائل حضرموت، الشيخ عمرو بن حبريش العليي، والقوات التابعة له.
وجاءت هذه التهديدات في سياق حراك شعبي وقبلي واسع يقوده بن حبريش للمطالبة بتمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤون محافظتهم والاستفادة من ثرواتها النفطية والغازية.
وفي لهجة تصعيدية وغير مقبولة، اتهم قائد قوات الدعم الأمني في الانتقالي خصومه بتشكيل “عصابات لقطع الطرق وتهريب المخدرات”، مؤكداً أن القوات التي يقودها تمثل “جيش الجنوب العربي”.
وفي المقابل، جاء الرد القبلي سريعاً ومباشراً؛ إذ دُعي المشايخ والمقادمة والوجهاء إلى لقاء عام لمناقشة “التطورات التي تهدد حضرموت واستقرارها”. إن وصول التعزيزات العسكرية من عدن إلى المكلا، وانتشارها في ساحل حضرموت، يشير إلى قرار قيادي مركزي داخل “الانتقالي” بالدفع نحو فرض الأمر الواقع بالقوة، بدعم مباشر من القوة الإقليمية التي تقف خلفه (الإمارات)، في محاولة لـ”تفجير الصراع” والسيطرة على المحافظة الإستراتيجية.
تضارب المصالح الإقليمية وتجزئة النفوذ:
تتجسد الأزمة الراهنة في حضرموت في تضارب أهداف ثلاثة محاور رئيسية، بالإضافة إلى محور إقليمي ضاغط ومتحكم:
المجلس الانتقالي الجنوبي: يهدف “الانتقالي” إلى استكمال مشروع “الجنوب العربي” المتمثل في بسط السيطرة الكاملة على محافظات الجنوب. وبالنسبة له، تمثل حضرموت ثقلاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه لضمان مقومات الدولة المنشودة (الثروة، العمق الجغرافي). وتعتبر هذه التعزيزات محاولة لكسر شوكة المطالب المحلية المناوئة وإضعاف حلف القبائل الذي يعد أكبر تحدٍ لسلطة “الانتقالي” في المنطقة.
حلف قبائل حضرموت والقوى المحلية: يمثل هذا المحور الصوت الأصيل للمطالب الحضرمية التي ترتكز على مبدأ “حضرموت لأبنائها”. تتلخص أهدافهم في تمكين النخب المحلية من إدارة المحافظة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وهو ما يُعرف بالـ “التمكين الحضرمي”.
يرون في حشد “الانتقالي” غزواً لأرضهم ومحاولة للاستيلاء على ثرواتهم، وبالتالي فإن حشدهم القبلي ليس مجرد رد فعل، بل هو دفاع عن الهوية والوجود وحقهم المشروع في تقرير مصير محافظتهم.
يكشف هذا الأمر عن بُعد خفي ولكنه محوري؛ وهو تخوف مليشيا “الانتقالي” في شبوة من مرور قوات درع الوطن المدعومة سعودياً إلى ساحل حضرموت.
يضع هذا المخاوف الأزمة في إطار التنافس الإقليمي بين الشريكين في التحالف العربي. ففي حين تسعى الإمارات لتثبيت نفوذها عبر “الانتقالي” في المناطق الحيوية والسيطرة على منافذ تصدير النفط، تبدو السعودية وكأنها تستخدم “درع الوطن” كورقة ضغط أو توازن، ما يجعل حضرموت مسرحاً لحرب الوكلاء بين الرياض وأبوظبي.
إن صراع النفوذ على حضرموت ليس عابراً؛ فالمحافظة هي الخزان الاقتصادي الأول لليمن، والسيطرة على ساحلها تعني التحكم في الموارد المالية التي تمول المشاريع السياسية والعسكرية، وهو ما يفسر الإصرار الإماراتي-الانتقالي على “تفجير الصراع فيها” إذا لزم الأمر.
خلاصة القول: إن الوضع في حضرموت يمثل نموذجاً مصغراً ومعقداً للصراع الأوسع في اليمن، حيث تتشابك فيه المصالح الإقليمية والمطالب الانفصالية وحقوق المكونات المحلية في تقرير مصيرها.
لقد وضعت مليشيا “الانتقالي”، المدعومة إماراتياً، وحلف قبائل حضرموت أنفسهما على طريق تصادم مباشر. ومع استمرار توافد التعزيزات لـ”الانتقالي” والحشود القبلية، فإن الكلمة الفصل باتت معلقة إما على تدخل إقليمي حاسم يملي شروطه الخاصة، أو على صوت البندقية الذي يهدد بتحويل حضرموت من خزان للثروة إلى ساحة حرب جديدة تزيد من عبث الأطراف الخارجية بمصير اليمن.