المقالات

الرياض.. العدوان يتفـق مـع العـدوان كيف ولماذا؟

الرياض.. العدوان يتفـق مـع العـدوان كيف ولماذا؟

الجديد برس : رأي 

أنس القاضي

يأتي اتفاق الرياض، وتوحيد “الزبيدي” و”هادي”، كضرورة نابعة من حاجة تحالف العدوان وقواه الدولية الاستعمارية، لا اتفاق صُدفي ونتاج توافق إرادتين للعملاء المحليين (الانتقالي، الشرعية). وقد استطاع الاتفاق -نظرياً حتى الآن- أن يُخلص تحالف العدوان من أزمة خطيرة كادت تودي به وتنسف الأسس التي قام عليها، وهو مرحلة تكاد تكون الأخيرة في عمر العدوان، وربما يُشكل فارقاً بالنسبة للمرتزقة. أما القوى الوطنية فهي منذ البداية في مواجهة قوى العدوان ومرتزقته، محليين وأجانب، وما لم يستطع العدو أن يحققه في السنوات الأولى هيهات أن يُحققه بعد أربعة أعوام.
وهذا الاتفاق يؤكد ويرتكز على أن تتسلم السعودية ملف الجنوب اليمني وملف “الشرعية” عموماً وتجاوز شكل “التحالف”، كقوى احتلال حصرية لليمن، أو هكذا يبدو في الظاهر. وأخطر ما فيه أنه يُوحد ويركز قوى العدوان السياسية والعسكرية والاجتماعية في جبهة واحدة ضد الجيش واللجان الشعبية والقوى الوطنية، سواء كانت هذه الخطوة من أجل مواصلة العدوان أو لتعزيز ثقل تحالف العدوان في أي تسوية عامة مع القوى الوطنية في صنعاء. فالاتفاق يجعل من قوى العدوان في وضع أفضل نسبياً. وهذه الخطوة هي رغبة بريطانية قديمة كانت تنعكس في تصريحات العميل ياسين سعيد نعمان. وجدير بالذكر أن الاتفاق لم يشر إلى شكل مستقبل اليمن كدولة، هل سيكون ستة أقاليم أو إقليمين أو انفصالاً، وترك هذا الموضوع إلى ما بعد التسوية السياسية ووقف الحرب، بما يعني أن البريطاني والأمريكي وضع حقل ألغام للمرحلة القادمة.
رغم أن مختلف النقاط التي جاء بها الاتفاق مازالت نظرية إلا أنه في الأمر الواقع قد أنجز نقاطاً معينة، منها تأمين خروج الإمارات من الجنوب اليمني وخروجها من دائرة خطر قوة الردع اليمنية. كما أمن للسعودية هيمنة على مساحة من الأراضي اليمنية تستطيع أن تساوم بها: جنوب اليمن مقابل جنوب السعودية.
أما التقدم في بقية النقاط، خاصة المتعلقة بوحدة الجبهة الداخلية لقوى العدوان، فهو صعب نسبياً، لوجود عوائق عديدة أمام التقدم فيها، إلا أن هناك عوامل مساعدة تسهل للمرتزقة تجاوز تلك العوائق، وهي القدرة المالية السعودية القادرة على جمع صفوف المرتزقة كأحزاب، وأيضاً كقوى اجتماعية، فبمقدورها تمويل الضالعي والأبيني فيتجاوزا الحساسيات المناطقية، ومثلها جمع القوى العسكرية التي كانت متقاتلة وإعادة هيكلتها، فالممول عادةً هو الموجه، ولم تكن الخلافات السابقة نتاج إرادات حرة مستقلة للمرتزقة، بل بتحفيز ودعم من الممولين السعودي والإماراتي.
التوافق الاماراتي السعودي والتوجيه البريطاني يؤمن قدراً من الاستقرار السياسي والتفاهم بين الأحزاب والمكونات داخل الحكومة العميلة، كما الانسحاب الإماراتي –الظاهري حتى الآن- يساعد على نجاح هذا الاتفاق بتوحد مختلف هذه القوى على الرياض كمرجعية للحل و”عاصمة سياسية لليمن” كما أكد علي صالح حين وقع المبادرة الخليجية، بالإضافة إلى كون التوحد هو الآن حاجة للمرتزقة أكثر مما كان سابقاً، والدعوة للتوحد قديمة، إلا أن الظروف الموضوعية لم تكن تدفعهم للتوحد، وهي الآن تفعل.
ما الذي يؤكده ويرتكز عليه الاتفاق؟
يؤكد الاتفاق الهيمنة السعودية سياسياً وعسكرياً وأمنياً على الجنوب اليمني، وعلى الحكومة العميلة عموماً. كما يثبت سياسيا بتقسيم اليمن إلى إقليمين بزعم تنفيذ مخرجات الحوار الوطني. كما يهدف إلى توحيد القوى العميلة مع العدوان في جبهة واحدة، وذلك من أجل توحيد مكاسبها السياسية، وهذه حاجة لدول العدوان، والسعودية بشكل خاص، أكثر منها حاجة لهادي وحكومته العميلة، سواء كانت هذه الوحدة من أجل مواصلة العدوان أم لتعزيز ثقل تحالف العدوان في أي تسوية عامة مع القوى الوطنية في صنعاء. ويخضع الاتفاق قوات الانتقالي التي كانت موالية للإمارات لهيمنة السعودية. ويُسقط هذا الاتفاق شعار “الجنوب العربي”، ويؤجل شِعار “الاستقلال” من قبل جماعة الزبيدي أو يؤجلها لمرحلة قادمة.
ما الذي أنجزه الاتفاق؟
استطاع الاتفاق -نظرياً حتى الآن- أن يُخلص تحالف العدوان من أزمة خطيرة كادت تودي به، فكان توحيد الزبيدي وهادي ضرورة نابعة من إرادة لتحالف العدوان وليس اتفاقاً نتاج توافق إرادتين (الانتقالي، الشرعية). وهذه الأزمة التي حلها تتلخص في النقاط التالية:
  وقف الصدام العسكري بين عملاء الإمارات وعملاء السعودية. وهذا الصدام لم يخمد تماماً، حيث عاد مجددا في أبين بإيعاز سعودي، للتفوق على قوات “الانتقالي”.
  تأمين خروج الإمارات من الجنوب اليمني وخروجها من دائرة خطر قوة الردع اليمنية.
  أمن للسعودية هيمنة على مساحة من الأراضي اليمنية، تستطيع أن تساوم بها: جنوب اليمن مقابل جنوب السعودية.
  أمن وحدة القيادة والسيطرة للقوات العسكرية المعادية، وأزال تناقض التوجهات المتعددة والقيادات الميدانية لهذه القوات، مما يعني تركيز قوتها في مواجهة خصم موحد، وفي هذه الحالة سيتحسن وضعها العسكري.
  أعاد ترميم “شرعية” هادي، وتماسك جبهة الأحزاب الموالية للعدوان بما تضمنه من بنود تكفل شراكة الأحزاب السياسية وبعض القوى الجنوبية في الحكومة العميلة. كما أن توحيد الموارد المالية وإعادة تصدير النفط والغاز سيعطي الحكومة العميلة قدرة مالية لتوسيع دائرة نفوذها وصولاً إلى الشمال، وسيؤمن انتعاشاً اقتصادياً في عدن وغيرها من المحافظات لتقدم نفسها كنموذج منافس لنموذج صنعاء.
آفاق الاتفاق
الاتفاق يُعبر عن الإرادة الذاتية لقوى العدوان في توحيد صفها العسكري والسياسي في مواجهة القوى الوطنية اليمنية. ونتائجه إلى الآن مازالت نظرية بخصوص حكومة هادي، وفيما أنجز النقاط من 1 إلى 3 بالنسبة لحكومة هادي، فهل بالإمكان أن يتقدم الاتفاق لينجز بقية النقاط؟ جدير بالذكر أنه حدث اختراق نسبي في النقطة الرابعة، وذلك عندما تولت مؤخراً لجنة سعودية صرف رواتب القوات المقاتلة في جبهات الضالع والتي كانت سابقاً تستلم أُجرتها من الإمارات.
العوائق:
  القوى الوطنية في الجنوب ترفض الاتفاق، مثل جبهة الإنقاذ والحراك الثوري- باعوم.
  بعض القوى الجنوبية غير الوطنية، مثل مؤتمر حضرموت الجامع، ترفض الاتفاق.
  القناعة في الشراكة الوطنية ليست راسخة لدى هذه الأطراف، مما يعني أن الانقسامات السابقة سوف تظهر مجدداً، بدل الصراع السابق ستبرز كتنافس. وهذا الأمر لن يُعطي الحكومة العميلة استقراراً، وسيكون أداؤها مشابهاً لأداء حكومة باسندوة.
  الأوضاع الخدمية والمعيشية في المحافظات الجنوبية وخاصة المدن السياسية مثل عدن والمكلا هو ما سيحدد وقوف الجماهير إلى جانب الحكومة العميلة أم ضدها. يُمكن حل الأوضاع الخدمية بدعم سعودي. أما الوضع المالي فلأنه مرتبط باستراتيجية العدوان تماماً ومادامت العملة موحدة فلن يكون هناك تقدم في هذا الملف.
  المصالح التي ترتبت على الانقسامات السابقة ستعيق التقدم في هذا الاتفاق، وخاصة في شبوة ومأرب، فمن غير السهل على القوى الحاكمة العميلة في هذه المناطق أن تقبل بتوريد إيرادات النفط والغاز إلى عدن، إلا في حالة ضمان نسبة (فدرالية) منها.
وبالإضافة إلى العوائق السابقة فإن القوى الوطنية في صنعاء ترفض مثل هذا الاتفاق، ولا تعترف به، وقوات الجيش واللجان الشعبية مستعدة لتحرير كل شبر من أراضي الجمهورية اليمنية كما وعد قائد الثورة.