الأخبار المحلية تقارير ودراسات

إعادة الإعمار… سلّـم واستلم

 «التحالف» حتى اللحظة لم يرفع حجراً واحداً من أنقاض المباني المهدمة بالمحافظات التي تسيطر عليها ما يسمى «الشرعية»
 الجديد برس| العربي| صلاح السقلدي:
قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني، في كلمة له أمام مؤتمر المانحين لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف الأثنين الماضي، إن إعادة الإعمار في اليمن لن يكون إلا بعد الشروع بتسوية سياسية. حيث قال نصاً: «تضع الأمانة العامة – للمجلس- الترتيبات لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار اليمن، حالما يتوصل الأخوة اليمنيون إلى الحل السياسي المنشود».
التأكيد والإصرار الخليجي، على ربط الإعمار بالتسوية السياسية، ليس هو الأول من هذا القبيل – وإن كان تأكيد الزياني الأخير هو الأغرب من بين ما سبقها من تأكيدات وتصريحات مشابهة – فقبل أيام أكّـدَ وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ذات الكلام، وقبل ذلك ظل يكرر الناطق العسكري للتحالف العميد أحمد العسيري، الشيء ذاته.
انتظار التسوية أم التمويل؟
وجه الغرابة في تصريح الزياني، هو أن الرجُـل لا يتحدث فقط عن رهن عملية الإعمار بـ«تسوية سياسية» بل يكشف أن أموال الإعمار لم تتوفر حتى اللحظة، أو لنقل لم يتوفر الجزء الأكبر منها حتى اللحظة على افتراض أن ثمة أموال مرصودة خليجياً لهذا الأمر، وأن الأمانة العامة لمجلس التعاون وفقاً للزياني، ستضع خطة لعقد مؤتمر دولي لجمع المال، وهذا يعني أن دول المجلس لم تخصص حتى اللحظة مبالغ مالية للإعمار، وأنها تعـوّل على المجتمع الدولي للاضطلاع بالمهمة على خلاف ما يعلن بين الحين والآخر من أن هناك مليارات من الدولارات قد رُصدتْ لهذا الغرض، إلا أن عملية التسويف والتلكؤ بتسليم «الوديعة البنكية» السعودي الـــ2 مليار دولار طيلة عامين، يجعل التصديق برصد هكذا مليارات أمراً صعباً. فإن كانت المماطلة بتسليم «الوديعة» وهي في الأصل وديعة بنكية سعودية لدى البنك المركزي اليمني، وبفوائد وأرباح بنكية، فكيف سيكون التصديق بالوفاء بمليارات الدولارات هي كما يقال دعم لـ«وجه الله؟!»
وبالعودة إلى الحديث عن موعد البدء بعملية الإعمار التي يصر الخليجيون على تأخيرها إلى ما بعد التسوية السياسية المنتظرة، فهذا يؤيد ما ذهبنا إلى التأكيد عليه مراراً من أن إعادة الإعمار بالجنوب وباليمن عموما، ترى فيها السعودية – والإمارات كذلك – ورقة ضغط سياسية قوية بوجه أية قوى سياسية يمنية ستحكم اليمن مستقبلاً بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه القوى موالية للرياض وأبوظبي أو غير موالية لهما، وبصرف النظر أيضاً عما إذا كان اليمن يمناً واحداً أو يمنان أو أكثر من ذلك، فعامل الثقة عند الخليجين تجاه هذه القوى لم يعد له من وجود حتى مع أقرب القوى ولاءً لهم.
تساؤلات
فإن لم تكن عملية الإعمار بالنسبة للسعودية والامارات، ورقة ضغط، ومقايضة سياسية مستقبلية من منطق «سلّـــم واستلم» كما يجادل البعض عن جهالة وتملق، فما الذي يدعوهما إلى كل هذه المماطلة، والأمور سانحة لبدء على الأقل الخطوة الأول للإعمار؟ ولمِاذا يتم تأخير جمع الأموال إلى ما بعد التسوية السياسية وليس قبلها؟ ولماذا «التحالف» يعهد بالمهمة للمجتمع الدولي، وهو يعرف صعوبة جمع مثل هكذا مبالغ طائلة، وتأخير الوفاء بها من الدول والمنظمات المساهمة كما درجت العادة بحالات كثيرة بالدول المنكوبة بالحروب والكوارث التي تمور بها المنطقة؟ ولماذا هذا «التحالف» حتى اللحظة لم يرفع حجراً واحداً من أنقاض المباني المهدمة بالمحافظات التي تسيطر عليها «الشرعية» بل لم يشرع حتى بعملية المسح الشامل وفي عدن تحديداً خصوصاً، وأنه يقول إن «الشرعية» الموالية له تسيطر على 85%من الأراضي؟ فكلما يتم ليس أكثر من «حُـقَـن إعلامية» مسكّــنة يتم غرزها بالعضل الجنوب بين الحين والأخر.
تقاعس «التحالف» و«الشرعية»
على كل حال، فإن هذا الأمر يؤكد بذات الوقت الاعتقاد الذي ظل يخالج الناس في عدن وعموم الجنوب من أن «التحالف» ومعه «الشرعية» إلى حدٍ ما، يتقاعسون بإعادة الخدمات بالجنوب، وفي عدن والمكلا على وجه الخصوص إلى سابق عهدها، وبالذات الخدمات الضرورية مثل الوقود والماء وانتظام صرف المعاشات، وهذا الموضوع بالذات صار من أصعب الألغاز والأحاج استعصاءً عن الفهم منذ نهاية الحرب في عدن والمكلا، وهذه الأخيرة بالمناسبة تغرق في ظلام دامس منذ أيام وهي عاصمة محافظ النفط الغزير، وأزمة الكهرباء في عدن وباقي المحافظات التي ما تزال في انحدار مستمر، وبين كل هذه الخدمات المتضعضعِة يهوي سعر العملة المحلية إلى دركه الأسفل من فقدان القيمة بالتوازي مع صعود صاروخي لأسعار السلع والخدمات، في والوقت الذي لا يبدو «التحالف» عاجزاً عن إعادة هذه الخدمات ولو بحدودها الدنيا. فثمة فرق كبير بين أن تكون عاجزاً عن عمل شيء، وبين أنك لا تريد القيام به، فبوسع دول الخليج الثرية التي تعتبر أغنى دول المعمورة إنتاج النفط وتصديره، وتستحوذ على نسبته 40%من صادرات العالم النفطية، أن توفر على الأقل مادة الوقود بانتظام، وبالأسعار التي تحددها هي لتحل الأزمات التي تعصف بكل المجالات الباقية ومنها الكهرباء والمشافي، ولكن ذلك لم يتم وتركت دول الخليج أقصد وهوامير المضاربين بالعملات النقدية وضباع الفساد وسباع تجار السوق السوداء تنهش بجسد هذا البلد المنكوب، وتتخطفه بأنيابها وبراثنها الناشبة.
أوراق ضغط سياسية
وبالتالي، لا يحتاج المرء إلى فراسة وحدس ليكتشف مدى التوظيف الخطير لأمورٍ غاية في الأهمية في حياة الناس ومعيشتهم كموضوع إعادة الإعمار والخدمات الضرورية من خلال استخدامها كأوراق ضغط سياسية، ووسائل إذلال بوجوه عوام الناس، والنخب السياسية، والثورية بالجنوب لإلهائهم عن تطلعاتهم السياسية تحت وطأة المعاناة ليسهل بالتالي تطويعهم والتحكم بهم، بل المرء بحاجة إلى قليل من التحلي بالشجاعة والصدق مع النفس والتحرر من قيود المصالح الذاتية وأصفاد الحاسبات السياسية البائسة التي يتم المقايضة بها بمصير بلد يتوجع كل يوم، وبمستقبل أجيال يتلاشى كل ساعة وبمصير قضية وطنية كبرى بحجم قضية الجنوب الوطنية السياسية، التي تُــقدم قُـرباناً على مذبح المصالح النفعية الشخصية والحسابات السياسية الزائلة والولاءات الداخلية والخارجية القمئة!
مجلة اوسان
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com